منتدى يهتم بمستجدات العمل السياسي والنقابي محاولا رسم صورة مغايرة على ما عليه الوضع الان


عبد الغني بوستة السرايري

شاطر
avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

عبد الغني بوستة السرايري

مُساهمة من طرف رياضي في الأحد أكتوبر 03, 2010 10:54 am

أجرت اليسار الديمقراطي مع الرفيق عبد الغني بوستة السرايري حوارا مفصلا خص المستجدات على الساحة الوطنية والقضايا الملحة المطروحة على القوى الديمقراطية بالبلاد ، وكذا مسألة التعاون بين مكونات القوى وبين المناضلين بشكل عام والرفيق عبد الغني بوستة مناضل معروف داخل القوى التقدمية المغربية نظرا لعطاءاته ومواقفه الثابتة، حيث عرف كمناضل في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وأحد مؤسسي حركة الإختيار الثوري وكعضو في اللجنة المركزية لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي ، كما أنه عاش المنفى السياسي لمدة 21 سنة .







اليسار الديمقراطي : لندخل مباشرة في صلب الموضوع : هل لكم أن تعطونا تصوركم للوضعية العامة التي تمر بها البلاد راهنا ؟




عبد الغني بوستة: لا أتردد في القول بأن الوضعية العتمة التي تمر بها بلادنا ، وضعية خطيرة تنطوي على أخطار واضحة للعيان وأخرى متسترة أو كامنة والحقيقة أن الأزمة في بلادنا ليست بالشئ الجديد ، لكن جملة التطورات و الإجراءات الرسمية الأخيرة في المستويات الاقتصادية والاجتماعية شكلت في حصيلتها الكمية والنوعية منعطفا أساسيا في تاريخ بلادنا، سبق أن شبهته في إحدى المقالات بعملية "اكس لي بان" جديد وهذا التشبيه للإثارة فقط، وله حدود بطبيعة الحال نظرا لتباين الظروف التاريخية ، لكن الأمر يتعلق في كلتي الحالتين بعملية إجهاض وردة. ذلك أن عملية "ايكس لي بان" لسنة 1956 أجهضت الكفاح الوطني وفوتت على شعبنا سيادته واستقلاله الحقيقي سياسياً واقتصادياً و" أدخلت الاستعمار من النافذة بعد أن خرج من الباب " كما قال الشهيد المهدي بن بركة ، بينما نشاهد اليوم في ظل هيمنة النظام الرأسمالي العالمي عملية تفكيك هياكل اقتصادنا الوطني و"إعادة استعماره " بطرق جديدة متطورة من جهة ، ومن جهة أخرى تفويت السيادة الشعبية وإجهاض الديمقراطية المبنية على الأسس المتعارف عليها إنسانياً ، وتثبيت طرق الحكم المخزنية في أواخر القرن العشرين .



صحيح أن هيمنة الاستعمار الجديد على اقتصادنا الوطني سارية منذ عملية ايكس لي بان الأولى ، واتضحت أكثر من 10 سنوات من التقويم الهيكلي تحت تعليمات وأوامر صندوق النقد الدولي والمؤسسات الرأسمالية العالمية ، لكن الإجراءات الرسمية المتتالية مؤخراً جاءت تتويجاً لهذه الهيمنة ، وزادت في تمتين روابط التبعية للأجنبي ، وقد ترهن مقدرات بلادنا للعقود المقبلة أذكر من بينها إجراءات الخوصصة التي فوتت الرصيد الوطني الاقتصادي للخواص،واتفاقية المنظمة العالمية للتجارة (الكاط سابقاً) وأساساً اتفاقية الشراكة مع المجموعة الأوروبية التي ستمزق النسيج الاقتصادي الوطني بعد إقرار المنافسة الحرة وسقوط كل الحواجز الجمركية إذاك لن يصمد نسيج الشركات والمقاولات الصغيرة والمتوسطة أمام منافسة الشركات الأوروبية (وهي منافسة تقدر بالواحد ضد المائتين ) وسيكون مصيرها الاختفاء من الساحة الاقتصادية التي لن يبقى فيها سوى التجمعات الاقتصادية الكبرى من صنف أونا وأخواتها والتي هي أصلاً مشتركة مع الأجنبي .



أما على الصعيد السياسي فلقد جاءت الإجراءات الرسمية عبارة عن تكملة جدلية للإجراءات الاقتصادية ذلك أن إعادة استعمار الاقتصاد لا يمس بالسيادة الشعبية والديمقراطية والمواطنة .. وفي الوقت الذي عرف فيه النضال الديمقراطي مداً ايجابياً وتطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة ، سواء على المستوى الحقوقي أو السياسي أو بالنسبة للمخاض الذي يعرفه المجتمع المدني عموماً ، وأصبح الرأي العام الداخلي والخارجي مترقباً أو مشدوداً لما ستعرفه البلاد من تطورات ديمقراطية، جاءت الإجراءات الرسمية لإجهاض هذا المد، وإجهاض فرصة إرساء أسس الديمقراطية ودولة الحق والقانون. تجلى هذا في شكل جملة متكاملة من الإجراءات والتقنيات : "الحوار الاجتماعي" للجم مطالب الطبقة العاملة مسبقا وحبس الملف الاجتماعي في إطار تراض هزيل مغشوش ، تقنين الدستور نهائيا بشكل يفوت السيادة الشعبية ويضرب أسس الديمقراطية المتعارف عليها ، ترتيب الانتخابات المقبلة وإحالة إصدار قوانين مصيرية (الجهورية) على البرلمان الحالي المزور بشهادة الجميع، وبصفة عامة تخلي الدولة عن واجباتها الاجتماعية والتخفيف من أعبائها مقابل تقوية الجهاز التنفيذي والأمني وتثبت هيمنة المركزية على كافة مرافق الحياة ..





اليسار الديمقراطي: في هذا السياق ما رأيكم في الاستفتاء الذي حصل في 13 سبتمبر الماضي؟



عبد الغني بوستة : لإبداء الرأي في استفتاء 13 سبتمبر وجب وضعه في إطار السياق الذي جاء فيه ، والتساؤل عن الوضع قبل الاستفتاء وبعده ومدى تقدم هذا الوضع ديمقراطيا أو تأخره فقبل الاستفتاء كان مطروحا على البساط تعديلات جوهرية في الدستور لإرساء أسس الديمقراطية ودولة الحق والقانون ، وذلك كمطلب وطني شعبي أجمعت عليه كافة القوى الحية بالبلاد لكن الإجراءات التي طرحت من أعلى جاءت غير ذلك ، واستهدفت ترسي وتقنين وضع قانوني يغذي الأزمة السياسية منذ بداية الاستقلال. وحتى بالنسبة لبعض المطالب البسيطة التي لا تغير عمق المسألة الديمقراطية ، مثل توسيع صلاحيات البرلمان ومسؤولية الحكومة أمامه وتعيين الوزير الأول ضمن الأغلبية البرلمانية ، فلقد تم تجاهلها تماما. على العكس من ذلك، تم إضعاف التمثيلية المنبثقة عن الاقتراع المباشر بخلق غرفة المستشارين التي يتم تعيينها بشكل غير مباشر ، والتي لها صلاحيات مماثلة لصلاحيات البرلمان. وإذا كان الجدال قائما قبل الاستفتاء حول ثلث البرلمان المعين بشكل غير مباشر باعتباره يضعف التمثيلية المنبثقة عن الاقتراع العام المباشر . علاوة على الغش والتزوير الذي طال العمليات الانتخابية . أصبح الأمر يتعلق ليس بالثلث بل بنصف التمثيلية عبر خلق غرفة جديدة موازية . وإذا ما حدث خلاف جوهري بين الغرفتين ، وهو أمر وارد نظرا لتقاطع صلاحياتهما ، يبقى التحكيم للجهاز التنفيذي المركزي ... وبدون الإطالة في هذه الاعتبارات يتضح جليا أن المصادقة على الدستور الجديد (شكلا ومضمونا) احدث تراجعا بالنسبة للوضعية التي كانت قائمة ، والتي كانت تتنكر هي بنفسها لأسس الديمقراطية سيادة الشعب ، فصل السلطات ، سيادة التشريعي وخضوع التنفيذي لمراقبته سيادة الحق والقانون ، حقوق المواطنة...) علاوة على التزوير والتدخل السافر للجهاز التنفيذي لصنع الانتخابات وتكييف نتائجها على هواه .



ولهذه الاعتبارات كلها لم يكن أمام المناضلين الديمقراطيين سوى التشبث بالمبادئ الديمقراطية الحقة ورفض تزكية تزوير لإرادة الشعبية وذلك بالمقاطعة النضالية النشيطة للاستفتاء أو عدم المشاركة في التصويت عليه.





اليسار الديمقراطي : ما رأيكم في مشروع الجهوية التي سيصادق عليها البرلمان الحالي؟



عبد الغني بوستة : إبان تاريخ الشعوب إن الجهوية شكلت تقدما في ترسيخ وتطوير حقوق المواطنة ودمقرطة تسيير المرافق الإدارية والاجتماعية وتقريبها من المواطنين ... لكن بشرط أساسي لا محيد عنه ولا جدال فيه ، وهو أن يتم كل هذا في إطار ديمقراطي ، إذ لا معنى للامركزية في غياب أسس الديمقراطية وسيادة نظام مركزي بيروقراطي ، لأنها تنقلب إلى عملية ترقيب الأوتوقراطية من المواطنين ... وفي حالة المغرب تحديدا ، فنحن مقبلون عبر ترسيم الجهوية ، على نظام هجين وفريد من نوعه. فمن جهة نشاهد تقوية المركزية وانتفاخ الجهاز التنفيذي والأمني بشكل مفرط إلى درجة الهيمنة والتأطير المنهجي لكافة مرافق الحياة الاقتصادية والاجتماعية وكذا السياسية، ومن جهة أخرى يتم إقرار الجهات واللامركزية المزعومة في غياب أسس الديمقراطية كما أشرنا . وبصريح العبارة أخشى أن نتجه نحو تكوين إقطاعيات محلية حسب تقطع جهوي تعسفي ، وبالتالي استنساخ وتعداد "سيركويات" الرشوة وابتزاز المواطنين ، وإذكاء التنافس السلبي على المصالح المحتكرة من طرف الأقلية المستغلة التي ستجد مرتعا لتوسيع نفوذها وقاعدتها الاجتماعية . هذا علاوة على إذكاء النعرات الجهوية التي تلوح مخاطرها في الآفاق ، وذلك في غياب الإطار الديمقراطي الصحيح. وهنا تكون الدولة مرة أخرى قد تنصلت من مسؤولياتها الاجتماعية (في الصحة والتعليم والتشغيل...) ليصبح الأمر "فوضى فيما بينهم"، وذك مقابل دورها في التحكيم والتعالي على المشاكل الحقيقية والتفرغ لتقوية الجهاز التنفيذي الأمني الذي لن تلين قبضته ومراقبته لكافة مرافق الحياة .





اليسار الديمقراطي : ماهي اقتراحاتكم العملية لتجاوز البلوكاج الموجود داخل المجتمع المدني وداخل المحيط السياسي؟



عبد الغني بوستة : ليس لدي للأسف حل سحري للخروج من المأزق السياسي الراهن، إذ لا

مخرج منه سوى بالنضال الديمقراطي الطويل النفس و الواسع النطاق ، والذي يحشد كل القوى
الحية في البلاد من أجل بديل تحرري ديمقراطي يجيب على الحاجيات المعيشية الملموسة للمواطنين



في كافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكذا السياسة بالمعنى النبيل للكلمة. ويتعين لي
أن التكتيك السياسي السليم في هذه المرحلة "ارق من حد السيف" لأن على هذا التكتيك السير وفق


خط دقيق ويتجنب في ذات الوقت السقوط في المساومة من جهة ، وفي العقم الدوغمائي من جهة



ثانية . إذ أن ترديد المبادئ والشعارات الإستراتيجية لوحدها بعيدا عن الهموم اليومية للمواطن

وبدون إيجاد طرق عملية تنظيمية لتاطير تلك الهموم ، لا يقدم النضال الديمقراطي على ارض الواقع،
كما أن الاستسلام والرضوخ للأمر الواقع والسقوط في المساومة باسم الواقعية يضعف مصداقية



النضال الديمقراطي ويلحق به أضرارا بليغة . أما الواقعية الحقيقية فهي التي تنظر إلى المخططات
الجارية في بلادنا على حقيقتها بتصبر وموضوعية ، وتقر أن لا بديل عن التشبث بالمبادئ



الديمقراطية والنضال الملموس بكل الطرق المشروعة من أجل إعلاء كلمة العدل والحق والقانون ،

والنضال مع جماهيرنا في كافة الواجهات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية حتى يتغير

ميزان القوى لصالحها عبر صيرورة النضال وتثبيت المكاسب الديمقراطية أينما تحققت ، وحتى

يتمكن شعبنا من فرض إرساء دولة الحق والقانون والشروع في إحداث مشروع متكامل للتنمية في

إطار التحرر والديمقراطية. وهنا أيضا علمتنا تجارب الشعوب إن الديمقراطية تكتسب ولا تمنح...

وكبادرة خير في هذا الاتجاه أشير إلى المخاض والنهوض الذي يعرفه مجتمعنا المدني، وإقبال المواطنين على أخذ أمورهم بيدهم والنضال من أجل حقوقهم المهضومة كما يتجلى بشكل خاص في معركة الكرامة التي يخوضها المعطلون حاملي الشهادات العليا ، وكما يظهر في عدد من الحركات النضالية الديمقراطية في مختلف المجالات .





اليسار الديمقراطي : كيف ترون الخروج من هاوية التبعية ؟ وهل لكم بعض الاقتراحات العملية في هذا الباب ؟



عبد الغني بوستة : للجواب على هذا السؤال لا بد من تحديد مفهوم التبعية خاصة في عصرنا الراهن، عصر "العالم القرية " والتواصل والتدويل الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي والمعلوماتي والسياسي الذي من المستحيل الوقوف في وجه تطوره العام وتحويله رأسا على عقب. فالخروج من التبعية ضمن الظروف والشروط العالمية في المدى المنظور ، لم يعد يعني قطع كل الصلات بالعالم الخارجي والانطواء داخل حدود الوطن بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي كما حدث في بعض التجارب الثورية ، بل المطلوب هو وضع حد للتبعية العضوية للرأسمال الأجنبي التي تخضع مقدرات البلاد لاستغلاله الاستعماري الجديد والمتجدد، وبناء علاقات الشراكة على أسس متكافئة وفق مفهوم النمو المشترك ( co- developpement ) . هذا أخذا بعين الاعتبار مصالح الشعوب المعنية ومبدأ التعاون والتآخي فيما بينها . وفي هذا الإطار وجب التوجه أولا وقبل كل شيء لأشقائنا في المغرب العربي والوطن العربي لبناء علاقات جنوب جنوب وفق البادئ المذكورة ، وكذلك التوجه نحو إحداث مناطق للنمو المشترك في إطار حوض المتوسط ، وفي علاقة مع أوروبا وغيرها ، دائما وفق نفس المبادئ . لكن كل هذا رهين بطبيعة الحال بمدى إصلاح الذات على المستوى الوطني وإحداث التغيير المنشود ، والشروع في تفعيل برنامج تحريري تنموي في إطار ديمقراطي . فالخروج من التبعية جزء لا يتجزأ من هذا البرنامج، وستظل بلادنا للأسف ترزح تحت نيرها طالما ظلت تعاني من هيمنة أقلية مستغلة طفيلية تابعة ومربوطة بمصالح الدوائر الرأسمالية العالمية .





اليسار الديمقراطي : كنتم دائما تطالبون بضرورة قيام جبهة ديمقراطية شعبية ، فما هو تصوركم لهذه الجبهة وما هي الأسس التي ترونها ملازمة لقيامها ؟



عبد الغني بوستة: باختصار شديد فإننا ننادي بقيام جبهة عريضة تضم كل القوى التي تناضل من أجل إرساء أسس الديمقراطية في بلادنا وهذه الجبهة في تصورنا ليست لقاءا أو اتفاقا في القمة بين قيادة معينة ، بل أنها تنبني عبر صيرورة نضالية في القاعدة وعبر النضال الديمقراطي المشترك في كافة المجالات كما أنها تنبني على ثوابت مبدئية لا محيد عنها وهي :



1- تحديد الخط الفاصل بين الكتلة الشعبية من جهة وكتلة الأقلية المستغلة والمستبدة من جهة ثانية ، والتزام مكونات الجبهة المعبرة عن الكتلة الشعبية لهذا الخط الفاصل الناصع البين ، وعدم القبول بالخلط والتداخل وتلغيم الصف الوطني الديمقراطي والسقوط في المساومة مع الكتلة المستغلة .



2- التحالف المبدئي بين مكونات الجبهة، بمعنى الالتقاء الموضوعي والواعي والنزيه حول أهداف المرحلة بشكل استراتيجي (بمعنى إستراتيجية المرحلة) وبالتالي الابتعاد عن أساليب التكتل المصلحي واللامبدئي الذي ينتهي مع انتهاء الأغراض الذاتية العرضية التي كانت من وراء قيامه .





3- تحديد البرنامج الديمقراطي للجبهة كأساس لقيامها ، برنامج تتفق عليه جميع مكونات الجبهة عبر مشاورات ونقاشات متأنية وواسعة النطاق ، وتلتزم كل مكونات الجبهة بالعمل على انجازه بروح المسؤولية وتسبيق المصلحة الجماعية على المصلحة الذاتية .



4- اعتماد الديمقراطية الداخلية ونبد كل الممارسات المنافية لها ، مثل السلطوية وهيمنة طرف على الأطراف الأخرى والاحتواء والانفراد بالقرارات الأساسية .





5- وإذا كانت هذه الثوابت الأربعة تشكل العمود الفقري للجبهة الديمقراطية ، فان العمل على قيام هذه الأخيرة يعتبر نضالا في حد ذاته ، ويتطلب من الديمقراطيين المخلصين كثيرا من الصبر والتحمل لتقريب المسافات بين المناضلين وتجاوز الخلافات الثانوية لصالح الاتفاقات الأساسية ، والفرز والتمييز ما بين المشاكل العرضية والأخرى الأساسية والموضوعية التي لا ينفع معها التغاضي والتجاوز والتلفيق ، بل من الأفضل الوعي بها وحصرها وتحديدها وترك الباب مفتوحا لتجاوزها مستقبلا عبر نتائج الممارسة . هذا النضال بمشاقه ومعاناته مطروح أمامنا كمناضلين ديمقراطيين من مختلف الفصائل ، جنبا إلى جنب مع تطور الحركة الجماهيرية عموما .







اليسار الديمقراطي: إنكم أحد مؤسسي حركة الاختيار الثوري، هل لكم أن تعطونا لمحة ولو موجزة عن هذه التجربة النضالية ؟



عبد الغني بوستة : بإيجاز كبير تأسست حركة الاختيار الثوري سنة 1975 كحركة اتحادية تصحيحية من طرف مناضلين منتمين للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، الذي أصبح كما هو معروف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعدما غير اسمه سنة 1974 . وكان تغير الاسم هذا إجراءا شكليا لكنه حمل أيضا إشارات دالة تحت عنوان "القطيعة مع الماضي " أي التنكر للماضي النضالي الثوري " وإحداث منعطف يميني داخل الحزب تحت عنوان" مسلسل التحرير والديمقراطية " "الإجماع الوطني والسلم الاجتماعي " الذي انطلق في نفس الظرف وجاء المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975 ليثبت ويقنن هذا المنعطف إيديولوجيا وسياسيا وتنظيميا ، وبعد مرحلة من الصراع داخل الحزب في قطاعي العمل والطلبة هنا في الخارج ، ومحاولة إبلاغ صوت المناضلين للمؤتمر الاستثنائي نفسه (والذي تم إقباره) اعتبرت مجموعة من المناضلين الاتحاديين الانضباط الحزبي الأعمى لم يعد ذي معنى أمام الانحراف اليميني الخطير لقيادة الحزب ، كما أن الصراع هنا في الخارج مع المجموعة اليمينية أصبح ضربا من العبث. فقرروا بالتالي الاجهار بصوتهم عبر جريدة شهرية تحمل اسم "الاختيار الثوري " نسبة للتقرير الشهير للشهيد المهدي بن بركة ، وذلك للتوجه للرأي العام بصفة عامة وفضح المؤامرة المحبوكة ضد شعبنا بدعوى " الإجماع الوطني" ، ومخاطبة القواعد الاتحادية في الداخل قصد المساعدة على رفع الغشاوة والتضليل والإبهام وجعل كل مناضل يختار موقعه وموقفه عن إدراك ومعرفة. وللتوضيح فان حركة الاختيار الثوري لم تسع أبدا لخلق تنظيم أو حزب جديد في الداخل لأن هدفها كان هو مخاطبة القواعد الاتحادية الحزبية وليس المزايدة عيها ولا خلق ازدواجية تنظيمية لها . ولقد حدثت بعض المبادرات الفردية والتلقائية في هذا الاتجاه نظرا للسمعة والعطف الذي حضت به حركة الاختيار الثوري لدى المناضلين ، فتدخلنا لحسم الموضوع والحث على تجميع الصفوف ورصها داخل قواعد الاتحاد الاشتراكي المناضلة. وفعلا شرع تيار اليسار يتبلور من جديد داخل الاتحاد الاشتراكي وعرف مسيرة نضالية تصحيحية في صراع مزدوج داخل الحزب وخارجه وصيرورة من التوضيح الفكري والسياسي والتنظيمي دامت ما يناهز عقدا من الزمن ، وأدت إلى الحسم النهائي مع اليمين من خلال حرك 8 مايو 1983 المعروفة ، والإعلان عن "الاتحاد الاشتراكي للجنة الإدارية ، كحزب مستقل تنظيميا. وعرفت حركة الاختيار الثوري من جهتها تناقضا داخليا صارخا مع نهج شعبوي انقلابي لا علاقة له بالأسس الذي انبنت عليها الحركة ولا بأهدافها الأصلية ، وحسمت الحركة هذا التناقض سنة 1983 أيضا عبر بيان علني يوضح القطيعة النهائية مع هذا النهج ، حيث اعتبرت أن الإصلاح والمساومة من جهة والشعبوية والمغامرة من جهة ثانية ، عبارة عن "وجهان لنفس العملة " الفاسدة وهكذا تزامن الحسم في الداخل والخارج، فاعتبرت حركة الاختيار الثوري أن مهمتها التصحيحية قد انتهت ، فأقبلت من تلقاء ذاتها وقرار جماعي من كافة أعضائها على حل نفسها مع انصهار مناضليها داخل "الاتحاد الاشتراكي -اللجنة الإدارية " الذي سيغير اسمه سنة 1992 لرفع أي التباس أو خلط مع الاتحاد الاشتراكي ، وليسبح "حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي " كما هو معروف .





اليسار الديمقراطي : هناك ولاشك رأي لكم في المخاض الذي تمر به فصائل ما يسمى عادة باليسار الجديد، ما هو تقييمكم لهذه القوى ؟



عبد الغني بوستة : كسائر المناضلين الديمقراطيين اهتم بهذا المخاض وأحاول تتبع تطوراته حسب الإمكان ، خاصة وان لي داخل "اليسار الجديد" أصدقاء ورفاق أكن لهم الاحترام والتقدير سواء اتفقنا أو اختلفنا في الرأي لكن رغم ذلك لا استطيع الإدلاء بتقييم لهذه القوى نظرا لعدم معرفتي الدقيقة بمجريات تطوراتها الأخيرة ، ولأنها تحديدا تجتاز مرحلة من المخاض وإعادة الهيكلة وإعادة النظر وتدقيق الخيارات المذهبية والسياسية والتنظيمية فيصبح إذاك التقييم سابق لأوانه ...ما استطيع الإدلاء به هو التمني من صميم القلب أن تتمكن هذه القوى من ممارسة الحوار الديمقراطي الشفاف لتقييم تجربتها النضالية السابقة تقييما موضوعيا بما لها وما عليها ولن تستنتج منها دروسا للحاضر والمستقبل ، وان تتمكن من إعادة هيكلة نفسها وفق ذلك . فإن تمت الوحدة بين جميع فصائلها على أسس واضحة وموضوعية ، فهناك أكثر من وسيلة للتعاون والتآزر والعمل النضالي المشترك بين كافة فصائل الحركة الديمقراطية وفق أهداف ديمقراطية نضالية بدءا بالعمل المشترك والمبادرات الجماعة في القاعدة ، وهو الأساس الصلب لأية وحدة نضالية وصولا إلى بناء الجبهة الديمقراطية المنشودة . وهناك بادرة ايجابية في هذا الاتجاه نتجت من خلال موقف مقاطعة استفتاء 13 سبتمبر أو عدم المشاركة في التصويت عليه، هذا الموقف المتميز الذي ضم أكثر من طرف سياسي وجمعوي بصيغة من الصيغ ، كما تجدر الإشارة إلى المبادرات النضالية المشتركة على مستوى القواعد والتي تأمل تطورها ومواكبتها لهموم الناس وقضاياهم الملموسة وحقوقهم المشروعة.







اليسار الديمقراطي : أن تجربة القوى التقدمية المغربية اشتكت بمرض عضال هو النزعة الفردية وكذلك الذاتيات في التعامل ، هل من الممكن أن تعطونا رأيكم في هذا الموضوع ؟



عبد الغني بوستة:النزعة الفردية السلطوية هي من مخلفات مجتمعنا الذي يسود فيه الاستبداد والعقلية الإقطاعية. وهي تبدأ على مستوى القبلية بعدما تحول دور الشيخ من التمثيلية الوفية إلى الزعامة المستبدة ، وتم إفراغ "الجماعة" من محتواها الديمقراطي ، وتمتد هذه الظاهرة إلى الدور الذي لعبه القواد الإقطاعيون الكبار في تاريخ المغرب ، كما أنها تشمل كافة هياكل الدولة المخزنية . وعند ما نقول إن الإيديولوجية والعقلية الإقطاعية لازالت سائدة في بلادنا ، رغم مظاهر العصرنة الشكلية ، فإنها فعلا كذلك، ولازلنا نرى مخلفاتها على مستوى العائلة والمدرسة والإدارة والاقتصاد والثقافة السائدة .. وبما أن الحركة التقدمية جزء حي من هذا المجتمع الحي ، بات من الموضوعي أن تعيد إنتاج نسبة من مخلفات النزعة الفردية اللاديمقراطية في داخلها. ولكن رغم الطابع الموضوعي لهذا المعطى ، فليس من المسموح أبدا لأية قوى تعتبر نفسها ديمقراطية أن تستأنس به، أو تقبل به كقدر منزل وبالتالي أن تتسامح في المبادئ الديمقراطية وتتعامل معها بشكل مطاط حسب الطلب كما انه ليس من المسموح للمناضل الذي يتبنى الطرح الديمقراطي ، أن يمارس عكسه مع رفاقه أو أسرته أو في إطار مهنته أو في علاقاته الاجتماعية بصفة عامة ، وإذ نحن نطمح إلى تحقيق الديمقراطية لشعبنا فمن واجبنا أن نبدأ بتطبيقها على أنفسنا أولا وقبل كل شئ، واكبر جهاد نقوم به يوميا هو الجهاد ضد ضعفنا وعاهاتنا ومن اجل إصلاح ذاتنا وتقويم سلوكياتنا ومراقبتها باستمرار. والحركة الديمقراطية لن تستحق صفتها تلك، إلا إذا استطاعت أن تطبق الديمقراطية على نفسها، شكلا ومضمونا ، وبأنجع الصيغ وأكثرها تطورا، وأن تبرز داخل المجتمع كنموذج يحدث القطيعة مع النموذج والعقلية الإقطاعية السائدة ، قطيعة في الطرح

الفكري والسياسي وأساسا في السلوك اليومي بين دواتها وفي علاقاتها بالمواطنين. إذاك ومن خلال انسجام قولها بفعلها ستكسب ثقة هؤلاء المواطنين وتساهم فعلا في خدمة طموحاتهم التحررية الديمقراطية. وللإشارة فان قيم النزاهة والاستقامة ، وحفظ الكرامة الشخصية وكرامة الآخر ، والوفاء بالكلمة والوعد، واحترام الرأي الآخر ومجادلته وفق قواعد الديمقراطية بدون تدجيل ولا غش أو تزوير...ليست بقيم متجاوزة بدعوى الانسجام مع" روح العصر" بل هي من صميم اليم الديمقراطية وجزء لا يتجزأ منها.



وخلاصة أقول إنني أشاطرك في أن النزعة الفردية البراغماتية والذاتيات في التعامل بين المناضلين لحقت أضرارا كبيرة بالحركة التقدمية ولازالت ، وان تطبيق الديمقراطية الداخلية في المستوى النموذجي المطلوب مسألة مطروحة لكافة فصائل الحركة التقدمية ، وقد تتسبب مجددا في تصدعات وتعترات وردات لن يستفيد منها سوى خصومها وأعداؤها ولذلك حان الأوان لنولي هذه المسألة ، ومسألة السلوك النضالي الرفاقي بالتحديد ، الأهمية التي تستحقها في نفس درجة الفكر والمواقف والشعارات السياسية..





اليسار الديمقراطي : ماهي الخلاصة التي يمكن تقديمها لهذا الحوار ؟



عبد الغني بوستة : قبل كل شئ اشكر جريدة اليسار الديمقراطي التي أتاحت لي فرصة الحوار والتعبير عن بعض الآراء ، ومن خلالها أوجه تحياتي الأخوية لقرائها ولكافة المناضلين الديموقراطيين وعن مضمون حوارنا يتعين لي إنني ركزت أكثر على مظاهر الأزمة التي تمر بها بلادنا والأخطار المحدقة بوطننا وشعبنا . وهذا من باب الواقعية السياسية وتجنب سياسة النعامة ، وليس من باب النظرة التشاؤمية أو اليأس ورغم أنني لم أتعرض بما يكفي من التفصيل لمظاهر النضال الايجابي أأكد أن شعلة الكفاح الديمقراطي مقادة في مغربنا ، وستظل كذلك رغم العواصف والزوابع ، تغذيها ظروف موضوعية عنيدة ، وأن شبابنا الذي يشكل أغلبية شعبنا مقبل على نضال تحرري ديمقراطي من اجل انتزاع حقوقه المشروعة وبالتالي فإن الأمل في تحقيق الغايات العليا لوطننا وشعبنا ، وتحرر بلادنا واسترداد السيادة الكاملة لشعبنا وإرساء دولة الحق والقانون والخروج من عهد "الرعية" لدخول عهد المواطنة الكاملة .. لازال هذا الأمل قائما كاملا . ذلك أن الأمل والتفاؤل والإصرار في درب الكفاح من شيم المناضلين الديمقراطيين التقدميين.




أجرى الحوار محمد المباركي



باريس في 25 نوفمبر 1996
avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

رد: عبد الغني بوستة السرايري

مُساهمة من طرف رياضي في الأحد أكتوبر 03, 2010 11:00 am

أسس الديمقراطية و هوامشها..بقلم:عبد الغني بوستة السرايري
<TABLE cellSpacing=0 cellPadding=0 width="100%" border=0>

<TR>
<td bgColor=#ecece6> Read In English...
</TD></TR></TABLE>

(...) والحالة هذه ،فان المطروح من طرف الطبقة الحاكمة وحلفائها داخل
قيادات المعارضة البرلمانية بعيد كل البعد
ولحد الساعة عن هذه الأسس
المبدئية البسيطة ، إذ يتعلق الأمر فقط بإيجاد توازن أفضل بين السلطات في
حالتها الراهنة ، وتزكية وتكريس الحالة اللاديمقراطية السائدة، وإيجاد
توزيع أحسن للأدوار بهدف تنميق الواجهة الديمقراطية الشكلية "اليافطة
المعروضة للسواح" كما قال الشهيد المهدي بنبركة .

تشهد الساحة السياسية المغربية كما جرت العادة على مقربة من المواعيد
الانتخابية تحريكا جديدا للمسألة الديمقراطية، ويتعلق الأمر هذه المرة
بتعديل الدستور الحالي من اجل إيجاد "توازن أفضل بين السلطات "...

والجدير بالملاحظة أن هذا التحريك بأتي متزامنا وموازيا لتصاعد النضال
الديمقراطي الأصيل الذي يخوضه شعبنا الكادح وقواه الحية من اجل فرض
احترام حقوق الإنسان الكونية وتغيير الدستور تغييرا شاملا بما يوفر بناء
صرح الديمقراطية الحقة .. ونخص بالذكر الخطوات والأعمال اليومية التي
تقوم بها الجمعيات الحقوقية على أرضية الميثاق الوطني لحقوق الإنسان ،
والنضالات المنسقة والمعممة التي تخوضها النقابات الوطنية بمختلف
اتجاهاتها وفي كل القطاعات الإنتاجية ، من اجل الدفاع عن مطالب وحقوق
الشغيلة، في حين أن المطالبة بالتغيير الجذري للدستور ما فتئت تكتسب
مزيدا من الشيوع والشعبية داخل الإطارات والمنظمات والجمعيات التقدمية ،
وفي الساحة الجماهيرية عموما.

والجدير بالذكر ، أيضا أن قيادات الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال قد
التجأت مرة أخرى في غفلة عن قواعدها وعن الرأي العام، وفي ظروف تصاعد
المد النضالي الديمقراطي ، التجأت إلى المساومة المبتذلة مع الطبقة
الحاكمة عبر "مذكرة سرية " تتضمن مجموعة من المتمنيات التي من شأنها حسب
أصحابها ـ أن تحقق التوازن المنشود بين السلطات وترفع من مستوى صلاحيات
البرلمان ، وتعمل على التحسين من سيره الحالي .

إن هذا التكتيك السري على الجماهير ، الذي يدور في الكواليس بين الطبقة
الحاكمة وحلفائها ، يستدعي من طرف كل الوطنيين والديمقراطيين النزهاء ،
التنديد الصريح والمعارضة الحازمة ، لأن مضمونه لا يعدو أن يكون مساهمة
ملموسة ، من موقع "المعارضة" وباسمها في تنمية وتجميل الوجه البشع
للديمقراطية المزيفة الراهنة ، ولأن شكله يتعارض تماما مع أشكال وأساليب
وأعراف العمل الديمقراطي التي تنب المناورات والكواليس وتفرض الوضوح
والشفافية أمام المعنيين بالأمر ، خاصة بالنسبة لمسألة تمس الحياة
اليومية لكافة المواطنين ، وتهم شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية
والتشريعية والثقافية ألا وهي مسألة الدستور .

وان معارضتنا المبدئية الحازمة لنهج من هذا القبيل لا يساويها حزما
ومبدئية سوى تشبثنا بالشروط والأسس الأولية التي بدونها لا يمكن الحديث
عن الديمقراطية ولو في شكلها الأدنى وحدودها البورجوازية .

ويتعلق الأمر أولا بالأسس والقيم الفكرية للديمقراطية التي تجعل من
الاحترام الفعلي واليومي لحقوق الإنسان في كليتها وكونيتها ، شركا مبدئيا
تخفى مع اختفائه أو تمس بجوهره أسس الديمقراطية نفسها .

ويبقى الإجراء الحد الأدنى في هذا المجال هو إصدار قانون العفو العام
الذي يضمن إجرائيا وقانونيا الحرية لكافة المعتقلين السياسيين والنقابيين
، وعودة المنفيين والكشف عن مصير المختفين وتسوية أوضاع المطرودين من
عملهم بسبب نشاطهم النقابي أو السياسي تسوية فعلية .. وبدون إجراء من هذا
القبيل والتمادي في الخرق السافر واليومي لحقوق الإنسان ، والظلم
والاعتداء على الوطنين والديمقراطيين تحت مظلة قوانين استعمارية معادية
للوطن والشعب .. بدون هذا، كيف يمكن الحديث عن الديمقراطية ! ويتعلق
الأمر ثانيا بالمبادئ والأسس السياسية التي تنبني عليها الديمقراطية في
حدودها الدنيا دائما- وعلى رأسها :

* سيادة الشعب في إطار دولة القانون واحترام إرادته وحقه في اختيار
ممثليه بدون تزوير ولا ضغط، ومراقبة عملهم في إطار الاختيارات التي تضمن
السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والحظوظ .

* التعددية السياسية والثقافية وممارسة واحترام الحريات الفردية والجماعية .

* الفصل الحقيقي للسلطات كمبدأ ديمقراطي لا رجعة فيه ،، وليس البحث عن
توازن مزعوم بين سلطات تبقى كلها مركزة بين نفس الأيادي ...

إن مجمل هذه المبادئ والقيم الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية على قلتها وباعتبارها حد أدنى يتضمن عاهات ونواقص وشوائب
لامجال لتفصيلها هنا هي التي تؤسس لأي نظام ديمقراطي وخارج توفيرها
واحترامها الفعلي يبقى الموضوع مطروحا فعلا في إطار "الهامش الديمقراطي"
أي على هامش الديمقراطية وخارج نطاقها بتعبير أكثر وضوحا.

والحالة هذه ، فان المطروح من طرف الطبقة الحاكمة وحلفائها داخل قيادات
أحزاب "المعارضة البرلمانية" بعيد كل البعد ولحد الساعة عن هذه الأسس
المبدئية البسيطة ، إذ يتعلق الأمر فقط بإيجاد توازن أفضل بين السلطات في
حالتها الراهنة وتزكية وتكريس الحالة اللاديموقراطية السائدة وإيجاد
توزيع أحسن للأدوار بهدف تنميق الواجهة الديمقراطية الشكلية "اليافطة"
المعروضة للسواح " كما قال الشهيد المهدي بنبركة.

فالخيار المطروح إذن يوجد ما بين العمل الجاد لإرساء أسس الديمقراطية
-وضمنه التغيير الشامل للدستور بما يستجيب لذلك- من جهة ، وبين التيه في
الطريق المسدود لهوامشها من جهة ثانية ، وبالتالي فلا مناص لكل الوطنيين
والديمقراطيين المخلصين من مواصلة نضالهم الديمقراطي اليومي المتعدد
الأشكال والواجهات ، مسترشدين بدروس تاريخ الإنسانية الذي يعلمنا أن
الحقوق والحريات لا تمنح ، بل تكتسب وتنتزع بالنضال العادل الثابت ،
مثلها مثل الدساتير التي تضمن فعلا سيادة الشعب، وتجعل منه فعلا "مصدر كل
السلطات".

لقد تمكنت الحركة الجماهيرية المغربية ، مؤكدة بقواها السياسية التقدمية
الفعلية ومنظمتها النقابية وجمعيتها الثقافية والتربوية ، وبفعل نضالها
الديمقراطي المستميت الذي أصبح يشمل كل مرافق الحياة الاقتصادية
والاجتماعية وكل الفئات الشعبية ، من عمال وفلاحين ومستخدمين وعاطلين
وطلبة وتلاميذ .. تمكنت هذه الحركة الجماهيرية من فرض نفسها كحضور وواقع
لا محيد عنه ، وهي سائرة بروح ايجابية مسؤولة على طريق لم يشملها وتوحيد
صفوفها وتدقيق وتجدر مطالبها الديمقراطية المتصلة بشكل مباشر بقضايا
الحياة اليومية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا .. وهذه كلها مكاسب تدعو فعلا
للاعتزاز والمفخرة وتؤهل النضال الديمقراطي في بلادنا لقطع أشواط هامة
في المدى القريب والمتوسط ، شريطة أن تتجه كل القوى الحية نحو مزيد من
العمل الوحدوي الجبهوي على قاعدة برنامج ديمقراطي حد ادني ، يوقف المسألة
الديمقراطية على رجليها ، ويشكل السد المنيع أمام محاولات الإجهاض
والتهميش وتكتيكات الأقلية المستغلة وحلفائها داخل قيادات "المعارضة
البرلمانية" ومن لف لفهم بشكل واعي أو غير واعي ...
وهل معنى هذا هو الاتجاه للانتظارية أو سلوك نهج العدمية السياسية
والاكتفاء بتبني حركة لنضال الجماهيري الديمقراطي ، مع التغاضي على اتخاذ
مواقف واضحة من القضايا السياسية المطروحة آنيا ، والاكتفاء بتقديم ما هو
موجود بشكل سلبي وبدون طرح البديل السياسي ؟

إن الصحيح والسليم هو العكس تماما، إذ أن الموقف السياسي التقدمي الواضح
ما هو إلا عنصر مكمل ودافع ومؤطر لحركة النضال الديمقراطي اليومي على ارض
الواقع ، كما أن هذا النضال بنتائجه ودروسه ومكتسباته هو الكفيل بإنضاج
الموقف السياسي الصحيح وإعطائه مضمونه ومصداقيته ، ذلك أن النضال
الديمقراطي الأصيل كان وسيظل عبارة عن حلقات متواصلة تشمل كل القضايا
والمرافق ، سياسية كانت أم اقتصادية واجتماعية وثقافية ، بدءا بأبسط
القضايا التي تهم حاضر ومستقبل الوطن والشعب وهذا الترابط الجدلي وتلك
التوصيلات الأفقية والعمودية بين مختلف هذه الحلقات تحت تأثير نفس المنهج
العام ومن اجل نفس الاهذاف الأساسية، هي التي تعطي للنضال الديمقراطي
مفهومه الشامل المنسق والمتكامل .

ومن تم فعلا يمكن أن يفهم من كلامنا أننا عديمي الموقف من المسألة
التي تشغل الساحة السياسية حاليا ، مسألة تعديل الدستور، أو أننا نمانع
في التعديل على العكس من هذا ، لا نرى أي تناقض في تمتين وتعزيز وتعميق
النضال الديمقراطي اليومي في كافة الواجهات من جهة والمطالبة السياسية
بتغيير الدستور تغييرا شاملا في اتجاه إرساء الأسس الفكرية والسياسية
والتنظيمية للديمقراطية كما أسلفنا .. وهذا الذي يميز بيننا وبين
المرتدين المنتفعين دعاة "تحسين التوازن"
داخل اللعبة الديمقراطية المشوهة .

وإذا كان تغيير الدستور تغييرا شاملا بمثابة الهدف المرحلي الذي يجب أن
يستقطب طموحات وطاقات كل القوى الديمقراطية التقدمية الحقة ، فهناك مطالب
مستعجلة وشروط مسبقة يشكل تجاوزها والدخول بدونها حلبة الحوارات
والتعديلات السطحية للانتخابات .. ، ويشكل هذا طعنا صريحا في الديمقراطية
وعملا خارج نطاقها ومساهمة واعية في تزويرها وهذه الشروط التي من المفروض
أن تنال إجماع كافة الوطنيين والتقدميين ، نوجزها في ثلاث نقاط لا أكثر
:

1- إصدار قانون العفو العام بالمعني الحقوقي الشامل الذي ذكرنا
2- إلغاء القوانين الموروثة من عهد الاستعمار والتي تناقض حقوق الإنسان.
3- احترام الحريات الفردية والجماعية وبخاصة حرية التعبير
والتنظيم والرأي ، وضمان التطبيق الفعلي لمواثيق ومعاهدات حقوق الإنسان
الموقعة رسميا من طرف المغرب.
إن هذه الشروط والمطالب الأدنى تشكل في الحقيقة قاسما مشتركا في برامج
كافة المنظمات السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية بصفة عامة ، لكن
المطروح هو التشبث الصادق بها ، قولا وفعلا ، وعدم تجاوزها تحت أي اعتبار
أو تبرير ، وبالتالي فان النضال المستميت من اجلها أو التخلي عنها هو
الذي سيشكل محك الفرز السياسي في بلادنا في المرحلة المقبلة ، والخط
الفاصل بين القوى التقدمية الحقيقية التي لازال بعضها لا يعبر بعد عن
نفسه بشكل واضح متكامل من جهة ، والقوى الرجعية المغامرة التي تتهيأ مرة
أخرى للتخلي عن شعاراتها المعلنة لاقتسام غنائم الانتخابات والديمقراطية
المزيفة ، من جهة أخرى .

إن موازين القوى الراهنة ، والظروف الموضوعية والذاتية المحيطة بها
والنضالات اليومية التي يخوضها شعبنا الكادح في كافة الواجهات والتقدم
الباهر الذي يشهده الوعي بحقوق الإنسان ، والخطوات الهائلة التي قطعتها
حركة النضال الديمقراطي الجماهيرية في تجاه مزيد من الهيكلة والتنظيم
والفعل النضالي ، سياسيا واجتماعيا وثقافيا ، إن كل هذا يحملنا على
التفاؤل الواقعي على أن النضال الديمقراطي الذؤوب الصبور سيتمكن فعلا من
تحقيق المطالب الأدنى التي ذكرنا ، إن آجلا أو عاجلا ، وفتح الطريق نحو
إرساء دولة القانون والديمقراطية الحقة ببلادنا.



عبد الغني بوستة السرايري
صحيفة الطريق 11/ 04/ 1992
avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

رد: عبد الغني بوستة السرايري

مُساهمة من طرف رياضي في الأحد أكتوبر 03, 2010 11:07 am

الظاهرة الأصولية والعوامل الموضوعية والذاتية لبروزها




كلمة الأخ عبد الغني بوستة السرايري
في المهرجان الدولي للأحزاب الثورية ببروكسل
مايو 1994



أصدقائي الأعزاء
أشكر حزب العمل البلجيكي على الدعوة الكريمة التي وجهها لحزب الطليعة للمشاركة في هذه التظاهرة النضالية الدولية الهامة، وباسم مناضلي حزبنا أبلغكم جميعا أصدق وأحر التحيات النضالية الأممية.
وعملاً بتوصية الرفيق رئيس الجلسة بالتركيز والإيجاز، سأقتصر من جهتي على ثلاث نقاط تبدو لي أساسية بالنسبة لموضوعنا، وأبقى رهن إشارتكم للإجابة على استفساراتكم وتعميق النقاش وتبادل الآراء في الموضوع.
1. العوامل الموضوعية والذاتية التي تؤدي إلى بروز ظاهرة "لأصولية"
مما لا شك فيه أن بروز ونمو ظاهرة "الأصولية " يخضع –تاريخيا وحاليا– لعوامل ودوافع موضوعية وذاتية تشكل القاعدة أو التربة التي تنطلق منها تلك الظاهرة. ويأتي على رأسها: العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي ينتجها استغلال أقلية من "المحظوظين" الغارقين في البذخ والترف، لأغلبية من المقهورين المستغلين داخل نفس المجتمع. وفي غياب دولة الحق والقانون وسيادة الظلم والاستبداد، يتولدعن هذا الاستغلال المتوحش هيمنة مطلقة لتلك الأقلية على كافة القدرات الاقتصادية والاجتماعية وتسخيرها لخدمة مصالحها الذاتية الأنانية، وبالتالي تهميش الأغلبية واقعيا وماديا وتنمية الشعور لديها، كشعور واقعي أيضا، بالحرمان والضياع.
وغالبا ما يزدوج هذا الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي باستلاب إيديولوجي تمارسه تلك الأقلية ضد أغلبية الكادحين بتجريدهم من سلاح الأفكار التحررية ، وإخضاع وعيهم لهجمات مستمرة من التضليل الظلامي والتعتيم المنهجي، بغية إخضاعهم لمنطق الاستغلال واعتباره قدرا منزلا لا محيد عنه. وبفعل تضافر هذه العوامل الذاتية والموضوعية مجتمعة يزيد الشعور بالحرمان والضياع المادي والاجتماعي والمعنوي، خاصة عندما يتعرض المجتمع برمته تحت ضغط سياسة لاشعبية استغلالية متوحشة، إلى الانحلال والتفسخ الاجتماعي والخلقي، وتتفشى داخله ظاهرة الرشوة والمحسوبية حتى تغزو كل شرايينه، من القمة إلى القاعدة، كظاهرة "عادية" وعمودا فقريا لنمط الحكم والإدارة، ويصبح الاختلاس وسوء التسيير، والتهريب الواسع النطاق خارج دورة الإنتاج الرسمية، عبارة عن اقتصاد موازي قائم بذاته، وترتقي السرقة والنهب وامتصاص دم المستضعفين إلى درجة فن في التسيير الاقتصادي ورمز للشطارة والتفوق و"النجاح"، ويصبح الرجل الأمين الصادق النزيه المستقيم عبارة عن غريب أو حالة شاذة بين قومه.. وباختصار، عندما تتعرض قيم المجتمع وأسسه الأخلاقية (كمثل الكرامة والعدالة والنزاهة والأمانة والوفاء) للتفتيت المنهجي، والتحطيم والدوس المتعمد والمستمر، ويتجه المجتمع بأسره نحو منزلقات التفسخ والانحلال، إذاك يزيد الشعور بالحرمان لدى الفئات الشعبية تأججا، وتنشأ التربة والمناخ الذي يؤهل ظاهرة الأصولية للبروز والنمو.
وإضافة إلى مجمل هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية، تأتي العوامل الثقافية العامة وضمنها مسألة الهوية الوطنية، ذلك أن الشعور بالحرمان والضياع يزيد استفحالا عندما تعمقه الهيمنة الثقافية الموجهة ضد شعب بأسره، عبر أساليب الاستعمار الجديد وما عرفته من تطور وتجدد، والتي تؤدي إلى استلاب وطني شامل يزدوج بالاستلاب الطبقي المذكور أعلاه، ليفرض ثقافة مستوردة استغلالية مناهضة للقيم الإنسانية، كثقافة سطحية مفروضة من فوق عبر الرجعية المحلية عميلة الاستعمار والاستعمار الجديد، الشيء الذي يهدد الهوية الوطنية بأسرها ويزيد في ضرب القيم الوطنية البديلة والمنسجمة مع حضارة المجتمع وتطلعاته وطموحاته الشعبية.
وتزيد هذه الظاهرة خطورة عندما يتعرض العالم بأسره لأزمات حضارية وانهيارات شاملة، كما هو الشأن حاليا بالنسبة لأزمة النظام الرأسمالي المهيمن عالميا، كنظام دخل مرحلة الأزمة المزمنة الحادة وعبر عن عجزه المطلق في الإجابة على القضايا الكبرى للإنسانية، زيادة على انهيار أنماط "الاشتراكية البيروقراطية"، ودخول البشرية جمعاء مرحلة البحث والإبداع وبلورة وتعميق البديل الاشتراكي الإنساني السليم.
وخلاصة القول، أن الشعور بالحرمان والضياع الاجتماعي والمعنوي والثقافي، على مستوى الفرد والجماعة وبالنسبة لأغلبية الفئات الشعبية الكادحة، وانسداد الآفاق أمامها وغياب أو ضعف البديل الوطني الديمقراطي الصحيح والفاعل في المدى المنظور، إن هذا قد يؤدي إلى نوع من ردة الفعل السلبية المبنية على محاولة "العودة إلى الأصول" لإعادة اكتساب الهوية المفقودة أو المهددة بالاندثار، والانكماش والانغلاق على الذات أمام جبروت قوات الاستغلال والاستلاب الطبقي والوطني المهيمنة بشكل مطلق، والرجوع إلى الوراء قرونا بكاملها لمحاولة البحث عن سبل توظيف الدين في السياسة، لإيجاد حلول للقضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما دامت تلك القضايا سياسية في نهاية المطاف، تهم سير المجتمع ككل، ونمط الحكم السائد بصفة عامة .
ومحاولة العودة التاريخية إلى الوراء هاته، والتي تسمى بظاهرة الأصولية، هي في عمقها وجوهرها ظاهرة رجعية، تحيل إلى هذا القسط أو ذاك من الظلامية واللاعقلانية في محاولتها معالجة الحاضر أو المستقبل عبر أنماط الماضي المتزمتة المغلقة، وغالبا ما تقحم الدين والمعتقدات الروحية والسماوية في السياسة والاقتصاد والاجتماع وشؤون الناس وصراعاتهم حول قضاياهم المادية إقحاما، كما قد تستعمل الجهوية والإثنية والتعصب القبلي والشعوذة .. وتشكل في نهاية المطاف ظاهرة هدامة تتجه بالعداء لكل ما هو تقدمي عقلاني متنور، بما في ذلك ما هو داخل الدين، وتهدد المجتمع بأسره بالهدم والخراب، إن هي لقيت التربة والمناخ المناسب والعوامل الموضوعية والذاتية المساعدة. وغني عن القول أن ظاهرة الأصولية هذه، كظاهرة سياسية وإيديولوجية بالمقام الأول شيء، والدين والمعتقدات الروحية شيء آخر، كما أن مسألة الخصوصيات الجهوية والتعددية الثقافية الديمقراطية العادلة ضمن الثقافة الوطنية الواحدة الغنية بتعددها وخصوصياتها شيء ثالث …
2. حالة المغرب
بعد هذه المقاربة السريعة لمختلف العوامل الموضوعية والذاتية التي تؤسس القاعدة والتربة للأصولية، نطرح هذا السؤال المباشر : هل توجد وتتوفر تلك العوامل في بلادنا المغرب ؟ وما حظوظ تنامي وتطور أو هيمنة الظاهرة الأصولية ؟
لمحاولة الإجابة على هذا السؤال، لا بد من استحضار الظروف التي عاشتها بلادنا في إطار النظام الاستعماري الذي فرض عليها. هذه الظروف التي استدعت قيام حركة وطنية ومقاومة شعبية عرفت عدة تطورات ومنعرجات، إلى أن شكلت حركة تحرير شعبية أرغمت الاستعمار المباشر على التراجع والرحيل، وحققت الاستقلال السياسي للبلاد ولو بشكل ناقص.
ولن نبالغ في شيء إذا ما قلنا أن حركة التحرير الشعبية هاته، اكتست طابع الثورة الوطنية الفعلية التي تجاوزت التصنيفات الإثنية والتمايزات الجهوية لتوحد الشعب المغربي قاطبة في كفاح وطني تحرري مستميت ضد المستعمر وأعوانه المحليين. وكانت الايدولوجيا السائدة تاريخيا داخل حركتنا الوطنية مستمدة من روح الإسلام الحقيقي المتنور السميح المنفتح على الديمقراطية والعلم وروح العصر. وتمكنت ثورتنا الوطنية أيضا من ربط علاقات الكفاح المشترك والوحدة والتكامل مع الثورة الجزائرية على الخصوص وفصائل حركة التحرير المغاربية والعربية عامة. وهذا، هو الذي جعل المستعمر يسارع باستبدال نظام الاحتلال العسكري والاستعمار الاقتصادي والاجتماعي المباشر، بنظام الاستعمار الجديد حفظاً لمصالحه على المدى البعيد، وحتى لا "يخسر" المغرب العربي بأسره وتتوفر له شروط الاستفراد بالثورة الجزائرية خاصة. وانبنى استعماره الجديد هذا على ثلاثة محاور أساسية : استمرار الهيمنة الاقتصادية والإستراتيجية على قدرات البلاد، من جهة ، وتمتين وتجديد الهيمنة الثقافية والاستلاب الوطني الموجه ضد الشعب بأسره، من جهة ثانية ، ومن جهة ثالثة إيجاد وتنمية وتقوية طبقة حليفة لإبرام الشراكة معها وضمان رعاية مصالحه من طرفها ونيابة عنه، والاستفادة بخدمة مصالحها الخاصة في نفس الوقت …

وكانت هذه الطبقة الحليفة العميلة في بلادنا هي الطبقة الإقطاعية الرأسمالية التي فرضت نظام الحكم المطلق، ضداً على التوجه التحرري الديموقراطي السائد شعبيا آنذاك، وساهمت بشكل نشيط وحاسم في إجهاض الثورة الوطنية المغربية وقطع الطريق عن البديل التحرري التقدمي الذي بلوره شعبنا مقابل تضحيات جسام وأنهار من الدماء والدموع، وفرض التبعية الاقتصادية والاستغلال المزدوج طبقيا ووطنيا، والاستلاب الثقافي وضرب الهوية الوطنية من الأساس، والتقليد البليد للثقافة والطقوس الرأسمالية الغربية المستوردة الساقطة …
هكذا راح "المعمرون الجدد" كما نسميهم في بلادنا، والنخبة السياسية التي استحوذت على مقاليد الحكم بدعم من الأجنبي، راحوا يمارسون التفتيت المنهجي لقيمنا الحضارية الشعبية التقدمية ورصيدنا الثقافي الوطني، ويخلقون ويعمقون على مر العقود عوامل التهميش والحرمان الاقتصادي والاجتماعي لأغلبية الشعب الكادح، وعوامل الاستلاب الفكري والحرمان الثقافي وتهديد الهوية الوطنية بالضياع والتفتت، وينشؤون موضوعيا التربة والمناخ الملائم لبروز ونمو ظاهرة الأصولية على مر العقود.
وخلافاً لما تدعِيه الطبقة الحاكمة في بلادنا، وتردده أبواق الدعاية الأجنبية العربية، فإن هذه الطبقة لا تشكل "حاجزا أمام الأصولية" التي تهدد المغرب العربي بأسره، بل العكس هو الصحيح تماما كما يؤكده الواقع العنيد بعد ما يقارب أربعين عاما من الاستقلال السياسي الناقص. وبالاستناد لتعريفنا وتحديدنا للعوامل الموضوعية والذاتية التي تؤدي من وجهة نظرنا إلى بروز ونمو ظاهرة الأصولية، لا نتردد في القول أن تلك العوامل تتوفر مجتمعة في واقع المجتمع المغربي الراهن، وأن الطبقة الحاكمة هي المسئولة عن ذلك.
فعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، لا تخفى على أحد الأزمة الهيكلية المزمنة التي تتخبط فيها البلاد في ظل الهيمنة الأجنبية الطبقية المزدوجة، وبإدارة من المؤسسات الرأسمالية الدولية من صنف صندوق النقد الدولي السيئ الذكر والسمعة.. وإذ لا يسمح المجال هنا لاستحضار كافة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي تدل على ذلك، يكفينا التذكير بظواهر التهميش الآتية : ذلك أن ستة بالمائة من سكان المغرب يستحوذون على 50 بالمائة من خيراته، في حين أن 40 بالمائة من سكان المدن يعيشون تحت عتبة الفقر المدقع وأن 40 بالمائة من سكان المدن يعيشون في مدن القصدير. أما البطالة فتمس 40 بالمائة من اليد العاملة من بينهم أكثر من 100000 خريج جامع ، بينما لا تتعدى نسبة التمدرس 50 بالمائة ، وتناهز نسبة الأمية 70 بالمائة، أما القدرة الشرائية فلقد انخفضت بنسبة 50 بالمائة خلال العشر سنوات الأخيرة في ظل توسع الهوة بين الأغنياء الذين يزدادون غنىً والفقراء الذين يزدادون بؤسا وشقاء. يكفينا هذا القدر، لندرك أن واقع التهميش الذي تتعرض له الأغلبية الساحقة من الشعب، وسعت التربة التي توفرها السياسة اللاشعبية و اللاوطنية الحالية لظاهرة الأصولية وغيرها من الظواهر اللاعقلانية .
أما على الصعيد الثقافي بالمفهوم الواسع للكلمة، فنجد التبعية للغرب في كافة المستويات، والاندماج الكلي للاقتصاد الوطني في النظام الرأسمالي العالمي ضدا على مصالحنا الوطنية، والتطبيق الأعمى لتعليمات المؤسسات الرأسمالية الدولية، بل وتطبيق أكثر مما تمليه تلك التعليمات ضدا على المصالح الوطنية، حتى أصبح المغرب الرسمي "أحسن تلميذ" لصندوق النقد الدولي .. كما نجد الاستلاب الوطني والتبعية السياسية عبر المساندة النشيطة المطلقة لمواقف الغرب الرأسمالي سواء في مرحلة الحرب الباردة والعداء البدائي للاشتراكية، أو بالنسبة للوقوف ضد الإرادة والشعور الوطني والقومي بشكل مباشر، كما جري ويجري بالنسبة لمساعدة إسرائيل على بلوغ أهدافها التاكتيكية والإستراتيجية في المنطقة العربية، أو بالنسبة للموقف العملي من الحرب العدوانية ضد الشعب العراقي الشقيق .
وتجد التبعية الاقتصادية والسياسية هاته منبعها الطبيعي في الإيديولوجية الإقطاعية المخزنية السائدة، كما تجد امتداداتها في نظام التعليم الرسمي القائم، والثقافة الرسمية الرجعية التي تهلل لها أبواق الدعاية ليل نهار، والتي تتأقلم وتلتقي ويتكامل مفعولها مع ما تدفقه يوميا الأقمار الصناعية من مواد مرئية–مسموعة رديئة تستهدف ترسيخ الاستلاب والتبعية للغرب والدعاية للقيم الرأسمالية الساقطة، وتعميق الشعور بالكبت والحرمان عبر اللعب على المجال العاطفي بقوة الصور والكلمات…
وخلاصة القول أن تربة الأصولية موجودة وقائمة في بلادنا، وعوامل قيامها متوفرة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما نلمسه في الحياة اليومية للمواطن، وما تفرزه من آفاق مسدودة خاصة بالنسبة للشباب، وذلك تحت مسؤولية الطبقة الإقطاعية–الرأسمالية التي تعمل يوميا على تنمية وتوسيع التربة المناسبة للأصولية، ولا تشكل بأي حال حاجزا أمامها.
وإذا كانت الأصولية في المغرب لا تزال كامنة، و لم تعبر عن نفسها بشكل واسع كما فعلت في بعض الأقطار، وإذا كانت هناك عدة عوامل تؤثر في درجة نموها وانتشارها أو تقاعسها وتراجعها، فلا يجوز أن نتغاضى عنها، ويجب أن لا ننسى أن أوضاعها الكامنة تلك قد تعرف دينامية متصاعدة وتسريعا كبيرا في وثيرة الانتشار والتنامي إذا ما توفرت لها ظروف مناسبة مواتية.
3. العوامل المؤثرة في تنامي أو تقاعس الأصولية في المغرب –آفاق –
إذا كانت ظاهرة الأصولية موجودة وكامنة في مجتمعنا، فإن تناميها وانتشارها، أو تراجعها وتقاعسها، يخضع بشكل جدلي إلى فعل وتأثير عاملين أساسيين متناقضين:
- فمن جهة: تأثيرات سياسة الاستعمار الجديد وحليفته الطبقة الإقطاعية-الرأسمالية الحاكمة، التي تصنع وتحضر وتنمي موضوعيا ويوميا التربة المناسبة لبروز وتقوية ظاهرة الأصولية. وعلاوة على ذلك فمن الثابت تاريخيا أن هذه الطبقة بتعاون مع جهات خارجية، هي التي شجعت الأصولية على البروز ورعت ظاهرة استعمال الإسلام لأغراض سياسية، واستعملت ولازالت تستعمل مجموعات "الإسلام السياسي" لضرب الحركة التقدمية باللجوء للأساليب الأكثر عنفا وهمجية. كما أنها (الطبقة الحاكمة) لا تتردد هي نفسها في توظيف الدين الإسلامي الحنيف لأغراض سياسية، ولخدمة مصالحها الخاصة وتبرير نمط الحكم المطلق -الغريب عن الإسلام الحق الأصيل- والذي يستحوذ على كافة السلطات التشريعية منها والتنفيذية وحتى الروحية، في إطار الدولة المخزنية البالية . ..
- ومن جهة ثانية ومناقضة : الحركة التقدمية الديمقراطية المغربية بكل فصائلها المسيسة منها وغير المسيسة، وذات التاريخ العريق والجذور المتأصلة وسط الشغيلة والشعب المغربي قاطبة. وإذا كان الحكم في المغرب يمتاز بخاصية الاستمرارية كما يحلو للإعلام الغربي أن يقول ويؤكد، فإن لهذه الخاصية نقيضها الجدلي كذلك، أعني بذلك استمرارية الحركة الوطنية والتقدمية عبر العقود والعصور، ووجودها اليوم حية قائمة وسط الطبقة العاملة المغربية ذات الوزن الاجتماعي والأصول والجذور التاريخية أيضا، ووسط كافة القوى والفئات الحية. ولا أدل على ذلك من النضال الديمقراطي اليومي الذي يحلو لنفس أجهزة الإعلام الغربية التغاضي عنه والتعتيم عليه، والقائم يوميا رغم ظروف الاستبداد والقمع والاضطهاد، في كافة القطاعات الاجتماعية وفي واجهات النضال من أجل حقوق الإنسان بصفة عامة وحقوق المرأة بصفة خاصة، ونضالات عائلات المختطفين والمعتقلين والمنفيين السياسيين، والنضال السياسي الديمقراطي من أجل دولة الحق والقانون…
وأخذا بعين الاعتبار لهذين الصنفين المتناقضين من العوامل المؤثرة في أوضاع الأصولية، نلاحظ أولا أن ليس هناك فراغ سياسي حاليا في المغرب -كما حدث في أقطار أخرى- تستغله الأصولية للانتشار واكتساح الساحة، على الأقل في الظرف الآني. وثانيا، أن أي إضعاف للحركة التقدمية ببلادنا ولحظوظ الحل الديمقراطي الصحيح ببلادنا، وأي تقوية للحكم المطلق والأساليب المخزنية الاستبدادية، يعد تقوية مباشرة للأصولية وكافة الظواهر اللاعقلانية والظلامية، وتهجيج صريح لبلادنا بالتقهقر والتراجع والتخلف. وهنا لابد أن نفصح بكل صراحة بكلمة حق تجاه سياسة البورجوازية الغربية، تلك السياسة التي تمتاز بكثير من النفاق، حيث تتظاهر بالتخوف من الأصولية ومعاداتها، لكنها في نفس الوقت تدعم الأنظمة الديكتاتورية العميلة في البلدان شبه المستعمرة تدعيما، وتقف، بدعمها الاستراتيجي والسياسي هذا في وجه التغيير والحل الديمقراطي الحقيقي، بل وتذهب إلى تشجيع الأصولية ودعمها خفية بالمال والسلاح في بعض الحالات، وتعمل في نهاية المطاف -علاوة على فرض التبعية واستراتيجية الاستغلال في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والإعلامية والثقافية- على تقوية الأصولية في بلدان العالم الثالث بالنتيجة والحجة والدليل.
وهل يمكن لأحد أن ينكر الدور الذي لعبته سياسة الرأسمال الدولي في الجزائر تحديدا لابتزازها اقتصاديا وماليا عبر المديونية الخارجية وسياسة النفط، وجعلها تنهار اقتصاديا واجتماعيا تمهيدا لإنشاء التربة والمناخ المناسب لبروز ونمو ظاهرة الأصولية ؟ أليس من حقنا أن نتساءل عن النوايا الاستراتيجية الحقيقية للبورجوازية الغربية تجاه بلداننا، بما في ذلك الدفع بتلك البلدان إلى مزالق الانهيار الاقتصادي والفوضى الاجتماعية والتخريب والدمار والحروب الأهلية، وإدامة تجويعها وعجزها على سد حاجياتها الأساسية ليتأتى تعميق وترسيخ تبعيتها للغرب الرأسمالي إلى أجل غير منظور، ومنع استقلالها الفعلي واكتفاءها الذاتي وتقدمها وازدهارها، بما فيه فائدة واستفادة للنظام الرأسمالي العالمي ؟…
مفترق الطرق
وبالعودة إلى أوضاع بلادنا، لنا شعور أن الأنظار تتجه إليها اليوم في ضوء ما يجري في الجزائر الشقيقة، بعد ما يقرب من 40 عاما من الاستقلال الناقص. ولا يخفى على أحد أن هذه الحقبة مرت في ظل التبعية وهيمنة الاستعمار الجديد والحكم المطلق، وفرض الاستلاب المزدوج طبقيا ووطنيا. وإذا كان القمع المنهجي بشتى صوره قد حافظ على ما يسميه الغرب ب "الاستمرار"، فإن هذا القمع يولد حتما النضال والمقاومة ويؤجج الصراع الطبقي والاجتماعي عامة، وبالتالي فإن للحركة التقدمية المغربية أيضا استقرارها واستمراريتها الجدلية المتجددة كما أسلفنا، وحظوظها في تحقيق الحل الديمقراطي السليم، إن هي اهتدت إلى لم شملها وتوحيد صفوفها حول برنامج تحرري ديمقراطي واضح، علماً بأن أي إضعاف لصفوفها، بما في ذلك عبر مساومة بعض أطرافها مع الحكم المطلق وتورطها سياسيا معه أو خضوعها للتدجين المطلق الذي يستهدفها، نقول أن أي إضعاف للحركة التقدمية وخطها النضالي الديمقراطي يعد بمثابة تقوية موضوعية للأصولية ومختلف تلاوينها اللاعقلانية …
استنادا لكل هذا، يتضح لنا أن بلادنا العزيزة تقف اليوم أمام مفترق الطرق، وهي مرشحة في السنين القليلة القادمة لأن تعيش رهانا خطيرا سيطبع مستقبلها وآفاق تطورها:
- فإما أن تتضافر كل العوامل المؤثرة الداخلية منها والخارجية لمنع التحول والتغيير الديمقراطي الذي تنادى به الظروف الموضوعية بكل إلحاح وتطالب به كل الفئات الشعبية، وكذلك شرائح البورجوازية الوطنية، ومقابل ذلك ترسيخ الاستبداد المخزني وإدامة السياسة اللاوطنية اللاشعبية وما ينتج عنها من تدمير لطاقاتنا الوطنية، ماديا وبشريا، وبالتالي تعبيد الطريق أمام الأصولية، وتوفير كافة الشروط لانتشارها واكتساحها للساحة في المدى المنظور، هي وغيرها من الظواهر اللاعقلانية الهدامة.
- وإما أن تدخل بلادنا عهد الديمقراطية الفعلية، لا المصطنعة والمزيفة، بفعل الكفاح الوحدوي الظافر لكافة قواها الحية. وفي هذا الاتجاه، يساهم حزبنا من جهته في النضال الديمقراطي المستميت في وضح النهار، وسط شعبنا الكادح، ويتمسك تمسكا لا هوادة فيه بالمبادئ الديمقراطية الأساسية ، بعيداً عن أي مساومة مع المخزنية والحكم المطلق، وعن أي تطرف أو انتهاز يميني أو يساري في نفس الوقت، ويناضل على الخصوص من أجل قيام مجلس تأسيسي لتمكين الشعب من سيادته وفتح عهد الديمقراطية الحقة، وينادي جميع فصائل الحركة التقدمية لتوحيد الصف في إطار جبهة وطنية ديمقراطية .
وأمام الرهان الخطير الذي تعيشه بلادنا العزيزة، تصبح مسألة التنسيق مع إخواننا الديمقراطيين في المغرب العربي والاستماع إلى آرائهم والاستفادة من تجاربهم وتبادل الرأي حول الحلول والمصير المشترك مسألة أساسية حيوية وذات أهمية بالغة. ومن أعلى هذه المنصة، نقول لإخواننا الجزائريين إن الخلاف الذي يفصل بيننا حقا في مسألة الصحراء المغربية كمسألة مبدئية بالنسبة لنا، لن يدفعنا، ولن يدفع أي ديمقراطي صادق في بلادنا، إلى مزالق الشوفينية أو التشفي في ما يعانيه الشعب الجزائري حاليا من آلام ومصائب ومآسي ومعاناة، لأن أي مصاب يصيبه هو مصاب لنا، وأي تقدم يحققه على طريق التحرر والانعتاق، هو تقدم لنا جميعا.
ولمسألة التضامن الأممي أيضا أهمية بالغة في هذا الظرف، لأن النهج الذي تسير عليه البورجوازية الغربية تجاه البلدان التابعة المستضعفة، وضدا حتى في مصالح أبناءها والأجيال القادمة، لن يكون سوى نهجا انتحاريا في المدى المتوسط والبعيد، بمعنى الانتحار الجماعي للشمال والجنوب على حد سواء، وذلك بتفقير الأغلبية العظمى للبشرية، وإغلاق معظم أبواب السوق العالمية إغلاقا ناجزا نهائيا بحكم الفقر المدقع وانقراض القدرة الشرائية وحتى إمكانية التبعية نفسها للسوق الرأسمالية العالمية …
ولسنا في حاجة إلي التأكيد على أن الحلول الناجعة تكمن في التوجه الديمقراطي العادل المتكافئ على مستوى عالمنا الراهن الذي أصبح "قرية واحدة"، وفي التعاون الأخوي المثمر بين الشعوب. وفي هذا الإطار أشكر مرة أخرى حزب العمل البلجيكي على دعوته الكريمة واحيي هذه التظاهرة الأممية التي ستسمح بلا ريب في تعميق التعارف بين مختلف الحركات والأحزاب الثورية المشاركة ،وتبادل الرأي فيما بينها، وتوطيد علاقات التعاون والتضامن الأممي.
avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

رد: عبد الغني بوستة السرايري

مُساهمة من طرف رياضي في الأحد أكتوبر 03, 2010 11:16 am

[size=16]في الذكرى التأبينية العاشرة يحضر الفقيد

عبد الغني بوستة السريري متوهجا

كنا هناك بباريس في يوم من أيام الذكرى، حيث تجمع رفاق المسار والطريق من كل الربوع التي يتواجدون بها فرنسا وبلجيكا وهولاندا رفاق الأمس واليوم من المغتربين والمهاجرين والذين عرفوا عبد الغني بوستة " السريري " رفيقا وقائدا مناضلا صادقا، مرهف الحس كالشعراء، دقيق الفكرة حيث كان يرمق الأشياء بعمق المفكر، لكن بخجل وحياء، كان صريحا وواضحا كالشمس ولذالك كان يرفض اللف والرياء، لأنهما خصوم الحقيقة الأشداء، وكان يرفض ذلك بحزم ونبل المناضلين الأوفياء...
لقد اختار المنفى كرها واحتمل محنه المتربصة وراء الصواعد والنوازل، في زمن كانت فيه الذئاب الشرسة تجوب الخطوط والتلافيف المعتمة لتخرس أصوات الحقيقة وتمنع وصول معاناة الأهل في الوطن وما يعانونه من قمع ومحن حيث ينوء الجسد من شدة الآلام التي كان يغلفها النظام بأبواق دعاية كثيفة وصرير السلاسل وأقبية الظلام في أزمنة صار يطلق عليها سنوات الرصاص...
وكان الفقيد متحديا ليتواصل مع الوطن والرفقاء بكل الجرأة والبأس من خلال منبر يحمل الأمل والثورة كاختيار )جريدة الاختيار الثوري ( لتنهار كل الموانع والعوائق... فالأفق هنا في عاصمة الأنوار كان أرحب ليتسع لكل حمولات رؤاه ولكل أحلامه ومناه، ولكل شغبه المفتن بالوطن...وهكذا كان يترجم ما يختلج في ذهنه من آماني وتطلعاته للحرية والإنعتاق والمساواة أفكارا وتصورات هادفة وواعدة سواء في المراجعة النظرية أو المواقف السياسة أو في التنظيم... وكان يقاسم رفاقه الأفكار ليبادلوه الرأي وليعمقوا معه النقاش...
في هذا اليوم حيث أعاد الزمن أدراجه عشر سنوات إلى الوراء ليستحضر يوم 21 شتنبر 1998 يوم يخلد حدثا من الأحداث المؤلمة بالنسبة لكل المناضلين الطليعيين ومناضلي الحركة الجماهيرية في الداخل والخارج أولئك الذين عرفوا عبد الغني بوستة بكيفية مباشرة أو من خلال كتاباته هؤلاء الذين لا زالوا لحد الآن يستشعرون هول المصاب الجلل نتيجة فقدان هذا المناضل القائد والمفكر المبدع... في هذا اليوم من أيام سبتمبر هنا بباريس تنعقد الذكرى التأبينية العاشرة ويفتتح الرفيق فادي بنعدي هذه الذكرى بكلمة رقيقة تناولت المصاب الجلل الذي حصل بفقدان الرفيق والذي ألقى بضلاله القاتمة على مسار كنا نشق عبابه فأظلم فجأة حيث فقدت السفينة ولو إلى حين ربانا من ربابنتها المهرة، مذكرا أن هذه الذكرى تأتي وقد أعادت اليقظة عنفوانها وان رفاق الفقيد عبد الغني السريري وأصدقاءه أعادوا مد الجسور ليلتحم الفعل وتتوحد الرؤى، ولتتقوى وتتوطد العلاقات كما كان يريدها الفقيد الذي عبر عن ذلك من خلال أطروحته في )الجبهة الوطنية الديمقراطية( وتخليدا لهذه الذكرى ووفاء لروحه سينظم في نفس اليوم ملتقى يحضره ممثلون عن مكونات تجمع اليسار المغربي… وخلال الفقرة الأولى تناوب على منصة الخطابة كل من عائلة الفقيد ممثلة بالرفيقة حياة برادة أرملته، وكذا مجموعة من رفاقه وأصدقائه :
الرفيق حسن الحاج ناصر بإسم أصدقاء الفقيد عبد الغني بوستة السرايري، الرفيق مصطفى مجدي تقدم بشهادة شخصية و اختتمت الفقرة الأولى بكلمة ألقاها الرفيق يوسف الطاهري عضو لجنة التنسيق الفدرالي لحزب الطليعة الديمقراطي الإشتراكي – فدرالية أوربا و اللجنة المركزية نيابة عن المناضلين الحزبيين بالفدرالية.
و في الفقرة الثانية لهذه التظاهرة الخالدة استمعنا لكلمات مكونات تجمع اليسار الديمقراطي التي ألقاها كل من الرفيق محمد الجابري عضو المكتب السياسي لحزب المؤتمر الإتحادي وتلاه الرفيق محمد المباركي عضو الكتابة الوطنية ولجنة العلاقات الخارجية للحزب الإشتراكي الموحد ثم الرفيق علي بوطوالة عضو الكتابة الوطنية لحزب الطليعة الديمقراطي الإشتراكي و أخيرا الرفيق مومن الشباري عضو الكتابة الوطنية لحزب النهج الديمقراطي.
وأجمعت الكلمات على الخسارة الكبرى التي مني بها الصف التقدمي والديمقراطي... نتيجة فقدان هذا المناضل المتميز بسعة اطلاعه وعميق تفكيره وتواصله، وبصفاته النضالية من مبدئية ووفاء واستقامة وتضحية وإباء واختتمت هذه الجلسة بقراءة لقصيدة جزلية للأخ يوسف الطاهري و بقراءة شعرية لقصيدة بالمناسبة للشاعر المحجوب حبيبي عضو الكتابة الوطنية لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي الذي حضر إلى جانب الرفيق علي بوطوالة ممثلين للكتابة الوطنية في الذكرى التأبينية العاشرة للفقيد.
وكانت الفقرة الأخيرة لهذا العرس النضالي، بعد وجبة الفطور الرمضانية التي نظموها الرفيقات و الرفاق بفرع باريس، تبادل فيها الحاضرون وجهات النظر حول الوضع الدولي و الوطني و أطروحات التنظيمات السياسية التي ساهمت في هذا اليوم التأبيني و وضعية وأفاق تجمع اليسار الديمقراطي و تحالف المؤتمر الطليعة الإشتراكي الموحد.



باريس في 20 شتنبر 2008
المحجوب حبيبي

[/size]
avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

رد: عبد الغني بوستة السرايري

مُساهمة من طرف رياضي في الأحد أكتوبر 03, 2010 11:22 am

ديسمبر, 2008
حول ظاهرة الانتهازية



(جريدة " المسار" – غشت 1985 )
في ذكرى روح الفقيد الرفيق عبد الغني بوستة السرايري



الموقف الثوري من الانتهازية

لا يمكن الحديث هنا عن موقف ثوري واحد جامد من ظاهرة الانتهازية، بل أن هذا الموقف يخضع أولا للظروف الذاتية للحركة الثورية في علاقاتها بالظروف الموضوعية العامة، كما يتأثر بنوعية و شكل الانتهازية المطروحة معالجتها. فالانتهازية غير المتكتلة مثلا، المتمثلة في الأفراد الطامعين بمصلحة شخصية يجب أن تعامل بصورة مختلفة عن الانتهازية المتكتلة الطامعة في الحكم،و التي تطرح نفسها كبديل للثورة... كما أن الانتهازية المندسة في صفوف تنظيمات الجماهير الكادحة، تتطلب موقفا متميزا عن الموقفين السابقين... و للتبسيط، يمكن أن نصنف الموقف الثوري من الانتهازية إلى ثلاث مستويات :

أولا : إن الانتهازية غير المتكتلة المحدودة المطامح التي تظهر عند بعض الأفراد الذين يسايرون الحركة الثورية في طور النضال المعارض، أو يلتقون حول السلطة الثورية و يمنحونها التأييد طمعا في الوظائف و الترقي و المكاسب الشخصية، أن هؤلاء لا يشكلون في الحقيقة خطرا كبيرا، وانتهازيتهم هذه محكوم عليها بالزوال مع تصلب عود الحركة الثورية، و تقوية تنظيماتها و ضبط خطاها بشكل سديد. فهذا النوع من الانتهازية يمكن أن نشبهه بالطفيليات التي تحاول امتصاص بعض غذاء النبات، لكنها لا تستطيع و لا تطمح لقتله، كما أنها تزول بترعرع هذا النبات و تحسن الظروف المحيطة به...

ثانيا : الانتهازية في صفوف الحركة الثورية و التنظيمات الجماهير الشعبية: إن هذا النوع من الانتهازية يكون عادة كامنا، لا يكشفه إلا تغير فجائي في ظروف المحيطة بالفرد. و لذلك، فإن طريق كشفها ـأتي عادة بشكل طبيعي. و لا تحتج لجهد خاص أو خطة. فسواء عندما تتعرض الحركة الثورية في كفاحها الطويل لمحنة خاصة، أو عندما تقبل على النصر و الفوز الحاسم...في كلا الحالتين تتاح الفرصة بشكل كامل لكشف العناصر التي تملك بذور الانتهاز... و ما على الحركة الثورية في هذه الحالة إلا الحسم معه بشكل صارم و عاجل، و بدون أدنى تردد. أما إذا تغاضت الحركة الثورية بشكل مفرط عن الحسم، فإنها بذلك تكون قد أعلنت موافقتها الضمنية على الانتهازية، و تكون قد زكتها و شجعتها... و عليها بالتالي أن تنتظر تزايد هذه الظاهرة حتى تصبح بمثابة القاعدة العامة. و لسنا بحاجة إلى توضيح العواقب المدمرة و الأثر التخريبية البالغة التي يخلقها بروز الانتهازية عند فرض أو مجموعة أفراد من قيادة الحركة الثورية، إذ من البديهي أن الأثر السيء لذلك يكون دائما أعمق وأقوى.

و إذا كانت الحركة الثورية مطالبة بالحسم العاجل و الصارم مع الانتهازية التي قد تظهر في صفوفها- و ما ذلك في النهاية إلا انعكاس غير مباشر لطبيعة الهياكل الرجعية المطروح تغييرها- فإنها مطالبة أيضا بحماية أعضائها من هذه الظاهرة، و تطويق آثار المغريات التي تساعد على ظهورها، أو التغيرات المفاجئة في حالة الأفراد.

و بذلك تصبح القاعدة العامة هي : حماية الأعضاء من المغريات المعنوية و المادية و عدم اثارة ميول النفعية و الأنانية، و الحسم الصارم مع الانتهازية حال بروزها.

ثالثا : الانتهازية المتكتلة ذات المطامع السياسية،الطامحة إلى السطو على الحكم و قطع الطريق على الثورة الشعبية، هي الخطر الأكبر المطروح مجابهاته و القضاء عليه,

إن التحليل العلمي الموضوعي و الواقعي، يجعلنا نستنتج أن هذه المجابهة يجب أن تتم بدون حاجة لانتظار التغييرات الفجائية للتأكد من نوايا هذا النوع الخطير من الانتهازية، بل المطلوب هو التصدي لمهمة المجابهة في طور الكفاح المعارض، كما في ظروف الانتقال الثوري. و كلما تم خوض المجابهة الناجحة بشكل مبكر، كلما تم ربح مراحل في التغيير و التشديد المجتمع الجديد. و إذا نشدد على ضرورة المجابهة المبكرة ، فلان للانتهازية خطتها أيضا، و هذه الخطة غالبا ما تكون مبنية على ربح الوقت، و هو أمر طبيعي لديها... و إذا كان التكتل الانتهازي يتميز خلال مرحلة الكفاح المعارض بالتقلب ما بين مواقف التطرف و المزايدة على الحركة الثورية تارة، و الهدنة والذيلية و التبعية للحكم القائم تارة أخرى، فإنها في مرحلة الانتقال الثوري غالبا ما تترفع و تسحب نفسها من الصراع المحتدم بين قوى الرجعية و قوى التقدم، لأنها تعرف أن القضاء على القوى الرجعية القديمة أصبح أمرا حتميا... لكنها تدرك أيضا أن ذلك ينهك قوى الثورة و يستنزف جزءا كبيرا من طاقاتها. أي أنها تسعى إلى ربح الوقت و حفظ كل قواها حتى اللحظة المناسبة التي توشك فيها قوى القديم على الانتهاء، و تضعف معه قوى الثورة – خاصة إذا برزت في صفوفها خلافات ثانوية – لتطرح نفسها هي كبديل "فوق الجميع" و "منقذ للبلاد و شعبها"...

في مثل هذه الأوضاع يكون الخطر الأول ليس هو الرجعية التي أنهاها الصراع و الكفاح الثوري، أو أوشك على ذلك، و لكن التكتل الانتهازي و الزعامات المتسلطة، التي تكون في حالة "استراحة" طيلة فترة الصراع، و تكون قد استجمعت قواها و رصت صفوفها و رصدت أخطاء الثورة... و من ثم نعود و نؤكد على أن مجابهة و مصارعة الزعامات و التكتلات الانتهازية الطامحة للسلطة، يجب أن تتم بشكل مبكر مع اختيار أنجع الأساليب و أحسن الظروف لذلك... و إلا فات الأوان.

و في جميع الحالات، و مهما تفاوتت المستويات الثلاث في الموقف الثوري من الانتهازية التي ذكرناها، و كيفما تأخر أو سبق زمن ممارسته، يبقى أن مهمة التصفية الفكرية للانتهازية مهمة قائمة في كل وقت و حين و في جميع الظروف، و هي الأهم في نهاية المطاف.

و بالمقابل، فإن الانتهازية، و خاصة النوع السياسي الحديث منها، تقوم باستمرار بتخريب فكري و ثقافي لا تجوز الاستهانة به. فهي لا تكف عن تركيب "النظريات" بشكل مصطنع و إشاعة الأفكار المضللة و بث الأراء المعرقلة، الشيء الذي يتطلب من الحركة الثورية نضالا فكريا و ثقافيا متواصلا، بحيث تتمكن من مصاحبة الحسم السياسي مع الانتهازية بالتصفية الفكرية لها، من أجل حماية الجماهير من الأفكار و المواقف الانتهازية بالتصفية الفكرية لها، من أجل حماية الجماهير من الأفكار و المواقف الانتهازية و الحيلولة دون "تلوث" الرأي العام بها. و من بين الوسائل التي تعتمدها الحركة الثورية في مثل هذا النضال : كتابة التاريخ السياسي للانتهازية بشكل مفصل و تعميمه على الرأي العام، و تعرية و تفنيد كل أد بياتها مهما كانت تافهة، و الكشف عن التاريخ السياسي الشخصي للانتهازيين، و خاصة الكبار منهم، ليحاط الشعب علما بماضيهم و نوعية أعمالهم و ارتباطاهم، و بكل ما صدر عنهم من تخريب في حق قضية الشعب...

قد لا تكون المعركة لتصفية الانتهازية سياسيا و فكريا معركة "ممتعة"، و قد لا تكون معركة بطولة... إلا أنها معركة ضرورية، تفرضها و تحتمها طبيعة الصراع و النضال من أجل الاشتراكية و العدالة الاجتماعية، رغم ما تكلفه من معاناة و تضحيات، و صراعات قد تبدو جانبية أو "هامشية" بالنسبة لمن يكتفي بالنظرة الفوقية السطحية، لكنها في عمق التحليل و نهايته : صراعات جوهرية و مصيرية.



مرسلة بواسطة كن حرا في السبت, ديسمبر 13, 20




avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

رد: عبد الغني بوستة السرايري

مُساهمة من طرف رياضي في الأحد أكتوبر 03, 2010 11:29 am

avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

رد: عبد الغني بوستة السرايري

مُساهمة من طرف رياضي في الخميس أغسطس 25, 2011 3:14 pm

http://www.maroc-realites.com/web/maroc-realites-ar


contact@maroc-realites.com
الجديد في الموقع



25-01-2011

بمناسبة الذكرى 52 لتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ننشر مخطوط عبد الغني "تقييم لتجربة الإتحاد الوطني للقوات الشعبية"
اضغط هنا

تجدون النسخة النهائية المطبوعة في ركن "الاختيار الثوري" اضغط هنا

04-12-2010
تجديد الموقع وإعادة تصميمه

21-09-2010

في الذكرى الثانية عشرة لوفاة عبد الغني بوستة ننشر اقتراحه الخطي لمشروع الأرضية التوجيهية للاختيار الثوري في 1978

اضغط هنا



21-09-2009

في الذكرى الثانية عشرة لوفاة عبد الغني بوستة ننشر مشروع الأرضية التوجيهية للاختيار الثوري- 25 يناير 1978



14-09-2008

في الذكرى العاشرة لوفاة عبد الغني بوستة، ننشر له ثلاثة مقالات :

الديمقراطية و الانتفاعية الضيقة - اكتوبر 1992
أسس الديمقراطية و هوامشها - ابريل 1992

حوار مع اليسار الديمقراطي- نوفمبر 1996



28-11-2007

حوار

في الذكرى التاسعة لوفاة عبد الغني بوستة ننشر ملحق للاختيار الثوري عن قضية الصحراء 1976
avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

رد: عبد الغني بوستة السرايري

مُساهمة من طرف رياضي في الأربعاء مايو 30, 2012 1:46 am

الديمقراطية

بين القيم الإنسانية الكونية والتشوهات الانتفاعية الضيقة

عبد الغني بوستة السرايري- اكتوبر1992

تعرض مصطلح الديمقراطية ،ولا يزال ، وكذلك المفاهيم والأفكار والقيم المرتبطة به للعديد من التفسيرات والتأويلات والتطبيقات ، وصدرت بشأنه كميات لا تحصى من المقالات والكتب والدراسات ... ولا غرابة ، إذ أن مسألة الديمقراطية ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالكثير من القضايا والقيم مثل الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية ، كما أنها ترتبط مسألة المؤسسات وطبيعة الدولة والحكم والنظام السياسي ، و ينعكس حتما وجودها (أو عدمه) على الحياة اليومية لجميع المواطنين بدون استثناء .
والملاحظ أيضا أن جميع الأنظمة عبر العالم بدءا ب "إسرائيل" وجنوب إفريقيا وصولا إلى أنظمة الرأسمال الغربية ، ومرورا بالأنظمة العربة والافرقية والأمريكية اللاتينية ، كلها تتبنى الديمقراطية وتدعي تطبيقها إن بهذا اللون أو ذاك، أو هذا النموذج أو الآخر الذي تفرضه خصوصيات محلية قاهرة ... وحتى الأنظمة الأكثر أصالة في الديكتاتورية والأوتوقراطية ، فإنها لم تعد تجرؤ في وقتنا الحاضر الإفصاح عن طبيعتها تلك ، بل تلجأ باستمرار إلى التستر وراء يافطة الديمقراطية .. أما الأحزاب والحركات والمنظمات التحررية والاشتراكية من جهتها ، إصلاحية كانت أم ثورية ، فلقد سجلت تاريخيا الديمقراطية ضمن أهدافها الأساسية وهي لا تزال حاضرة في جميع برامجها .
ومن ثم حجم المصالح وطبيعتها المتناقضة بشكل تناحري أحيانا ، التي ترتبط كلها بنفس المصطلح "الديمقراطية " وتعمل على تفسيره وتأويله وتعليبه بشتى الأشكال والنماذج .. فكيف يمكن والحالة هذه ، تحديد معنى هذا المصطلح وتدقيق مفهومه ومضمونه ؟ وكيف نتعامل مع دينامية هذا المفهوم ضمن اختيار تحرري اشتراكي واقعي ومنسجم نظريا وعمليا ؟
إننا لا ننوي من خلال هذا العرض السريع التأليف لمسألة الديمقراطية خاصة أمام غزارة ما قيل وكتب عنها ، بل سنقتصر من موقعنا الملتزم (مع أكثر ما يمكن من الموضوعية انطلاقا من هذا الموقع ..) على تسليط الأضواء حول التطور التاريخي للقيم والمفاهيم الإنسانية الحضارية التي اكتسبت طابعا كونيا لتؤسس مضمون الديمقراطية وتغذيه في دينامية مستمرة ، وهذا ما سيبعدنا بطبيعة الحال ، عن الانحرافات والتشويهات التي تتستر وراء الخصوصيات المحلية لطعن الديمقراطية باسمها، والتي لن نتعرض لها سوى لننتقدها ونفندها .
"ديموس قراتوس" .. والدينامية التاريخية
تنطلق العديد من الدراسات والكتابات في تفسير مصطلح الديمقراطية من الأصل اليوناني للكلمة الذي يعني حكم الشعب بنفسه ، (ديموس قراتوس) وبالاستناد للنظام السياسي الذي عاشته اثنا في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد .. ومن المعلوم ان هذا النظام قد تأسس إيديولوجيا على قاعدة الفلسفة اليونانية ، كبنية فوقية لتطور تاريخي محدد ، وترجم بشكل خاص أفكار أفلاطون (المدينة الفاضلة) فكرس مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون كما كرس مفهوم الديمقراطية المباشرة ، بحيث تلتقي جميع المواطنين في ساحة المدينة (أجورا) لمناقشة قضاياهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبث فيها بشكل جماعي .
لكن هل يمكن اختزال مفهوم الديمقراطية في هذا التفسير اللغوي (ديموس قراتوس) وفي النموذج اليوناني العتيق ؟ قطعا لا ! بالرغم مما شكله هذا النموذج من تقدم باهر في وقته وما افرزه من أفكار وقيم حضارية وإنسانية . والسبب في ذلك هو أن هذا النظام اشتمل على عاهات وثغرات أساسية ، لأنه منح حق المواطنة فقط للنبلاء والتجار والملاكين الكبار ، وحرم منه غيرهم ، وخاصة العبيد الذين ضلوا على وضعيتهم واستمر النظام العبودي والاستغلالي بصفة عامة إلى جانب النظام الديمقراطي بأفكاره الفلسفية والطوباوية وممارسته الاجتماعية العالية الخاصة بالنخبة وفئة الأقلية. أما السبب الثاني الذي يبعدنا عن اختزال مفهوم الديمقراطية بشكل جامد في النموذج اليوناني ، فهو إن هذا النوع من الديمقراطية المباشرة لم يقتصر تاريخيا على اليونان لوحدها ، بل لقد وجد مضمونه بأشكال وتطبيقات مغايرة في فترات زمنية أخرى وفي مختلف بقاع الكون . ويكفي أن نتمعن شيئا في تراثنا العربي الإسلامي لنجد نماذج منها غاية في الأهمية ، نذكر منها على الخصوص التجربة الرائدة لدولة القرامطة ، ونظام "الجماعة" في بلادنا المغربية تحديدا ، والذي كان ينظم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية للقبيلة على نمط الديمقراطية المباشرة ، بصيغ متطورة حيث الملكية الجماعية لكل وسائل الإنتاج ، والمساواة بين جميع أفراد القبيلة. ..
وبالتالي ، فان مفهوم الديمقراطية بمعنى الحكم المتداول بين الناس للتقرير بشكل جماعي في كل الأمور التي تهمهم ، مفهوم موجود منذ القدم في تعارض وتضاد مع حكم الفرد والأوتوقراطية وما تفرع عنها من أنظمة عبودية وإقطاعية .
وكما هو معلوم، فان مختلف الأنظمة السياسية سواء منها أنظمة الحكم المطلق والديكتاتورية أو الأنظمة الديمقراطية في شكلها البدائي والمتطور فلسفيا وتطبيقيا ، ما هي كلها إلا انعكاسات جدلية وبنيات فوقية لمجتمعات معينة في مرحلة تاريخية من تطورها الاقتصادي والاجتماعي ، وبالتالي فان طبيعة هذه الأنظمة وأشكالها ومضامينها تطورت تاريخيا ولا تزال ، مع التطور الموضوعي للمجتمعات وما يفرزه من تحولات في وسائل وعلاقات الإنتاج ، ومن أشكال وصيغ في التنظيم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، وما يترتب عنه من علاقات بين الناس في كافة المستويات ... لقد أدى التطور التاريخي للإنسانية في العصور الأخيرة، ومن هذا المنظور الشامل إلى إفراز استقطاب ما بين ثلاثة أصناف أساسية من المفاهيم التي تحدد طبيعة الأنظمة السياسية ، تطبق عليها أوصاف تقريبية عامة وهي : الديكتاتورية أو الحكم المطلق أو الأوتوقراطية من جهة ، والديمقراطية البورجوازية من جهة ثانية ، والديمقراطية الاشتراكية من جهة ثالثة. وحتى نظل في إطار موضوع مساهمتنا، سنضع الصنف الأول جانبا لنهتم بتحديد مفاهيم الديمقراطية بمختلف أشكالها وضمن سياق تطورها التاريخي.
وإذا أشرنا للإرهاصات الأولى للنظام الديمقراطي في شكل مشاعية بدائية وضمنها النموذج اليوناني المتطور الذي أعطى الأصل اللغوي للكلمة ، وبعد التأكيد أيضا على الترابط الجدلي ما بين طبيعة النظام السياسي والتطور التاريخي الموضوعي لمجتمع، نخلص إلى أن الديمقراطية ليست مفهوما نهائيا جامدا ، بل مفهوما ديناميا تراكميا ، يخضع باستمرار للتطور والدينامية التاريخية ، وبالتالي فلا يجوز تناوله وتحديده بدون استحضار الخلفية التاريخية التي تحكمت فيه ، ومختلف العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية التي أطرته وأثرت فيه.
I- الديمقراطية البورجوازية
من هذا المنطلق ، نستحضر التطورات التي عرفتها أوروبا القرن الثامن عشر ، مع نشوء النظم الرأسمالي الذي انبنى أساسا على التجارة والترويج والواسع للسلع مع بروز المصانع والمعامل الأولى المنظمة على نمط "رأسمال عمل " وظهور الحاجة الماسة إلى حرية الحركة والمبادرة الاقتصادية ... ومع هذا دخل الفكر والنظام الإقطاعي كما هو معروف في تناقض شديد مع نمط الإنتاج الجديد . وترافقت هذه القفزة النوعية على مستوى البنية التحتية ، بحركة ثقافية وفكرية توازيها وتتجاوب معنا في المستوى الفكري والإيديولوجي ، وبلغت هذه الحركة الفكرية درجة من التقدم والنبوغ ما جعل هذه الفترة التاريخية يصطلح عليها "بقرن الأنوار" ، حيث طهر عدد من المفكرين والكتاب والباحثين الذين انكبوا بشكل مكثف على دراسة أنجع السبل لتأسيس نظام ديمقراطي يتجاوز النظام إقطاعي ويتجاوب مع متطلبات العصر آنذاك . وكان من الطبيعي أن يستلهم هؤلاء ، كلهم أفكارهم واجتهاداتهم من رصيد الحضارة الإنسانية جمعاء ، ومن ضمنها عطاءات الحضارة اليونانية وعلى سبيل المثال نذكر من بينهم روسو الذي اعتمد النموذج اليوناني لطرح شكل من الديمقراطية في كتابه لوصف دقيق للنظام الجمهوري الديمقراطي الذي يقترحه مؤكدا على ا ن هذا النظام لا يمكنه أن يتعايش بثاثا مع النظام الإقطاعي .
وكتتويج لمجمل هذه التطورات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية الثورية ( قياسا بالمرحلة) جاءت الثورات البورجوازية لتعصف بالنظام الإقطاعي الثورة الفرنسية لعام 1789 والثورة البريطانية ...) وتضع أسس النظام الديمقراطي البورجوازي كبنية فوقية للنظام الرأسمالي الجديد.
والجدير بالذكر أن هذه الأسس لازالت قائمة إلى يومنا هذا ، ولازال جوهرها يشكل قاعدة الأنظمة الرأسمالية الغربية ، رغم ما طرأ عليها من تطورات وتغييرات كمية . وهذه الأسس هي:
أولا : على المستوى الإيديولوجي والفكري :
اعتماد حقوق الإنسان ( التي أعلنتها الثورة البورجوازية البريطانية قبل أن تقننها الثورة الفرنسية في شكل ميثاق رسمي كقاعدة وأساس إيديولوجي تفرع منه كافة الحقوق والواجبات. هكذا سطر ميثاق - حقوق الإنسان- الذي التزمت وتلتزم به الأنظمة الديمقراطية البورجوازية مبدأ الحرية ، حرية الفرد داخل المجتمع وإلغاء كل القيود العبودية والإقطاعية البائدة ومبدأ المساواة بين المواطنين كيفما كانت أصولهم العرقية أو الفئوية ، ومبدأ احترام وحفظ الملكية الخاصة ، كمسألة مقدسة لا يجوز المساس بها ، ومبدأ التآخي بين الناس والعدول عن الاستبداد والإكراه في العلاقات الاجتماعية ..كما تم التنصيص على حقوق المواطنة للجميع على عكس النظام الإقطاعي البائد الذي كان يفرق بين الأسياد من جهة والعبيد والاقنان من جهة ثانية ) وأصبح القانون ينص على أن كل الناص مواطنون متساوون على كافة المستويات ، في إطار شعب واحد بلا طبقات، وبرز أيضا مفهوم سيادة الدولة والقانون بمعنى أن القانون فوق الجميع ، يحكم بعدل وإنصاف وفق ميثاق حقوق الإنسان الذي يعلو ولا يعلى عليه..
ثانيا : على المستوى الاقتصادي :
كانت هناك حاجة موضوعية ماسة لحرية المبادرة التجارية والصناعية وحرية التنقل وترويج السلع بشكل واسع بمعنى إباحة التنافس الحر بين المواطنين لكسب الربح حسب طاقتهم وإمكاناتهم (الشئ الذي اصطلح عليه فيما بعد بالليبرالية ..) وفي نفس الوقت الاعتراف بحقوق اقتصادية للجميع ، الرابحون منهم والخاسرون في عملية التنافس هذه ، شريطة أن يتم تحصيل تلك الحقوق والمكاسب الاقتصادية بشكل تدريجي ، وقتما يتم ازدهار الاقتصاد والمجتمع ككل.، وعندها سيقبل البورجوازيون والمواطنون الأكثر رفاها على اقتسام أرباحهم وذر رفاههم على بقية المواطنين في شكل واجبات اقتصادية ضمنية تلقائية وان كانت تلك الواجبات غير مسجلة رسميا ضمن ميثاق حقوق الإنسان .
ثالثا : على المستوى السياسي:
ويتعلق الأمر بتقنين الأوضاع الاقتصادية وخدمتها سياسيا، وترجمة القيم الإيديولوجية إلى حيز التطبيق السياسي في نفس الوقت ، ولأجل ذلك تم الاعتماد بالدرجة الأولى على التمثيلية والتفويض عن طريق الانتخابات ، للسماح لجميع المواطنين المتساوون أمام القانون- بالتعبير عن أرائهم وممارسة حقوقهم السياسية غبر ممثليهم المنتخبين بشكل حر ونزيه . ومن ثم مفهوم التعددية السياسية لتمكين المواطنين من الاختيار بشكل حر بين اتجاهات ومواقف وبرامج متعددة ومتنوعة ، ومن ثمة كذلك مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية منها والتنفيذية والقضائية ، لقطع الطريق أمام الاحتكار السياسي واستغلال النفوذ والشطط في استعمال السلطة ،،المفروض أن تكون موكولة بشكل طوعي وبإرادة جماعية لدولة القانون التي توجد فوق الجميع .
وباختصار شديد ، فان نظام الديمقراطية البورجوازية شكل تطورا تاريخيا إيجابيا في تاريخ الإنسانية ، واحدث القطيعة مع أنظمة العبودية والإقطاع ، وأجاب في نفس الوقت على الحاجيات الماسة للظرف التاريخي وخاصة حاجيات النظام الرأسمالي والبورجوازية الناشئة التي كانت لها مصلحة حيوية في كسر أغلال وقيود النظام الإقطاعي التي تشل حركتها وتضيق على تطورها ، واستبداله بنظام الديمقراطية البورجوازية الذي يتناسب أكثر ومصالحها الحيوية. وغنى عن القول إن الفلاحين الفقراء والجماهير الشعبية بصفة عامة كانت لها أيضا مصلحة مباشرة في التخلص من النظام الإقطاعي ، إذ هي التي لعبت الدور الحاسم في كل الثورات التي حققت هذا التحول ...
وإذا كانت مجمل هذه التحولات والثورات التي قامت بتا الجماهير جنبا إلى جنب مع البورجوازية الناشئة لتحقيق طوحاها في "الحرية والمساواة والإخوة " في إطار دولة الحق والقانون الساهمة على تحقيق الازدهار والرفاه للجميع ، وإذا كان كل هذا قد طبع بشكل أساسي النصف الآخر من القرن الثامن عشر ، فان الثورة الصناعية من جهتها ، قد شكل علامة بارزة في القرن التاسع عشر مرفوقة بزخم هائل من التحولات والتطورات التقنية والاقتصادية والصناعية ، وانعكاساتها الحتمية المباشرة على الصعيد الاجتماعي ومن ضمن هذه الانعكاسات التدهور السريع في أوضاع إعمال والفئات المهمة بموازاة احتكار وسائل الإنتاج والربح من طرف البورجوازية ، فظهرت الهوة السحيقة ما بين الأفكار والمبادئ الديمقراطية من جهة ، والواقع الفعلي الذي كرس الفوارق الطبقية الشاسعة ما بين أصحاب الملكية الرأسمالية ، والشغيلة والمهمشين ، من جهة ثانية .
وبالرغم من أن الثورات السالفة الذكر كانت ذا طابع شعبي حقيقي ، إذ قامت بها الجماهير الأكثر فقرا وحرمانا وقدمت من اجل مبادئها الإنسانية النبيلة م لا يحصى من التضحيات ، فلقد تمكنت البورجوازية تاريخيا من تحويل الثورة لصالحها واحتكار ثمارها ، بعدما تحولت هي نفسها من طبقة ثورية تنهض النظام الإقطاعي وتسعى إلى تعييره جذريا ، إلى طبقة رجعية محافظة ..
وان الوعي بهذا الواقع المرير والتأثر المباشر به ، هو الذي شكل الدافع الموضوعي
لقيام الثورة العمالية في بريطانيا (1848) وكمونة باريس (1871) كمحاولة لاستدراك الأوضاع ، ونزع الحكم من أيدي البورجوازية التي احتكرته تعسفا وخروجا عن مبادئ الثورة الأصلية . ومعلوم أن مختلف هذه الثورات العمالية أجهضت بقوة الحديد والنار من طرف البورجوازية ، وأغرقت في انهار من الدماء والدموع ...
وخلاصة القول ، أن نهاية القرن التاسع عشر سجلت المحدودية والتاريخية لنظام الديمقراطية البورجوازية، وعجزه المطبق على تحقيق أهدافه المعلنة ، وذلك بموازاة نشأة وتطور الطبقة العاملة ومعها نشأة الفكر الاشتراكي الذي اعتمد نقد النظام الرأسمالي وتبيان تناقضاته الهيكلية المزمنة ، من اجل تقديم بديل له يناسب ويستجيب بشكل متقدم لطموحات الديمقراطية الاشتراكية كبديل عن الديمقراطية البورجوازية الفاشلة .
I I- الديمقراطية الاشتراكية :
إن الديمقراطية الاشتراكية "كنقيض وبديل للديمقراطية البورجوازية" لم تولد من عدم ، ولم تأت هكذا كتصورات فكرية جاهزة لا علاقة لها بما سبق وبالواقع السائد (أقول هذا لأنها غالبا ما تقدم بشكل عدمي وكأنها لم تكن لها علاقة مباشرة بالديمقراطية البورجوازية ) بل أنها اعتمدت بكل بساطة النقد الممنهج لتناقضات وثغرات الديمقراطية البورجوازية الكامنة في أساسها الإيديولوجية والاقتصادية والسياسية التي ذكرنا فشلت بذلك امتدادا وتجاوزا لها في آن واحد .
فعلى الصعيد الاقتصادي ،اتضح بجلاء أن المساواة المنشودة لايمكنها موضوعيا أن تتحقق ما بين العناصر التي تملك وسائل الإنتاج والاستثمار وتحتكر الجزء الأساسي من فائض القيمة وتوظفه لمزيد من الربح والإثراء من جهة ، والعمال الإجراء وبقية الفئات التي لا تملك شيئا سوى قوة عملها والتي زاده أوضاعها تدهورا وفقرا وبؤسا وشقاء ، خاصة مع ظروف عملها القاسية التي رافقت نشأة النظام الرأسمالي آنذاك ، من جهة ثانية ، هذا إضافة للفوارق الأخرى الناتجة عن النسب والانتماء العائلي والفئوي وما يترتب عنه من عدم المساواة في الحظوظ والإمكانات المادية والمعنوية ، وهذا كله يجعل من مبادئ المواطنة والمساواة ومفهوم "الشعب بلا طبقات" ، عبارة عن أفكار مجردة يعاكسها ويكذبها الواقع المعاش.
وانطلاقا من هذه الملاحظات وهذا النقد الواقعي العلمي جاء البديل الديمقراطي الاشتراكي ليعالج الداء من أساسه ، على المستوى الاقتصادي ، يطح الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، يملكها ويتصرف فيها المنتجون نفسهم ، وكبديل عن الملكية الخاصة التي تكرس استغلال الإنسان للإنسان ،. كما تدعو الديمقراطية الاشتراكية إلى التسيير الذاتي في كافة الميادين الفلاحية والتجارية والصناعية ، لتمكين المنتجين من تسيير أنفسهم بأنفسهم ، بعيدا عن الفوضى والعدمية بطبعة الحال ووفق قوانين الدولة المسيطرة بشكل جماعي .
أما مبدأ المساواة بين المواطنين فلن يتحقق فعلا إلا من خلال توفير واحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أولا وقبل كل شيء ومنها حق الشغل والتعليم والصحة ، إضافة إلى الحقوق الثقافية والسياسية ، وبالتالي تحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة كحقوق ثابتة وواجبات مسطرة في آن واحد .
أما على المستوى السياسي فان نظام الديمقراطية البورجوازية يشتمل أيضا على تناقضات تجعل المبادئ والتصورات بعيدة عن الواقع الملموس. فمبدأ الفصل بن السلطات ، وان كان تقدم هاما بالنسبة للأوتوقراطية والحكم المطلق ، فانه يظل فصلا شكليا ما دامت الطبقة الحاكمة هي نفسها السادة اقتصاديا ، والمتحكمة في نهاية المطاف لوحدها في دواليب الحكم وسلطة القرار بمختل أوجهها الاقتصادية منا والسياسية .. ولم يسبق تاريخيا في ظل الأنظمة الرأسمالية إن تولت الطبقة العاملة السلطة هكذا تلقائيا وفق مبدأ المساواة وعن كرق كسب الأغلبية عبر الانتخابات الحرة والنزيهة... وإذا ما لاح ذلك في الأفق ، فان البورجوازية لا تتردد في استعمال الأساليب الأكثر عنفا وهمجية ، كما حدث في التشيلي مثلا لاسترجاع الحكم والسلطة واحتكارهما من جديد تعسفا وإكراها . أما بالنسبة لتمثيلية كافة المواطنين عبر الانتداب والانتخابات ، فالملاحظ أن هذا النوع من التفويض ، بمجرد أن يتم ، يحرم الناخب من أية إمكانية في المراقبة الفعلية ، ويبقى هامش المناورة وحرية التصرف مفتوح أمام المنتخب إلى غاية الجولة المقبلة من الانتخابات حيث تتاح الفرصة للناخبين لسحب أو تجديد ثقتهم ، وبين الجولة والأخرى يظل المنتخب منتخبا وان ارتد عن برنامجه وتنكر لكل وعوده ، في غياب سلطة المراقبة لدى المواطنين .
وفيما يخص مبدأ التعددية السياسية ، وبالرغم من الحقوق التي يوفرها للمواطنين لتشكيل الأحزاب والنقابات ومختلف المنظمات والجمعيات كما يشاءون ، فان هذه التعددية رغم جوانبها الكمية تبقى محدودة ومقلصة نوعيا . إذ لايسمح بها إلا في حدود عدم المساس بطبيعة الدولة والنظام الرأسمالي (وإلا لجأت البورجوازية للعنف من أجل استرجاع الحكم كما أسلفنا). هذا من جهة ، أما من جهة ثانية ، فإن الفوارق الطبقية والبون الشاسع في الإمكانيات المادية والمعنوية يجعل التعددية النافذة على السلطة والحكم محصورة عمليا على أحزاب ومنظمات الرأسماليين . فإذا ما أخذنا على سبيل المثال ، الولايات المتحدة التي تعتبر البلد النموذجي في الديمقراطية البورجوازية ، نجد أن حزبين فقط الجمهوري والديمقراطي ، هما اللذان يتناوبان باستمرار على السلطة دون سواهما ، وان اختلفت تسميتهما / فان المرء يحتاج إلى اجتهاد وعناء كير لاكتشاف بعض الفوارق الطفيفة في برامجها وأهدافها الحقيقية ...
أما بالنسبة لدولة القانون المحايدة التي تمارس التحكيم العادل بين الجميع ، فلقد اتضح أولا أنها أداة مسخرة إلى حد بعيد لخدمة مصالح الطبقة البورجوازية التي تحكم يها و "تملكها" بشكل من الأشكال ، وان القوانين كيفما كانت عدالتها يبقى في جميع الحالات من صنع البورجوازية ، ولا يمكنها أن تخرج من دائرة مصالحها الحيوية.
انطلاقا من تشريح مختلف هذه التناقضات ، جاءت الأسس السياسية للديمقراطية الاشتراكية مبنية أولا وقبل كل شيء على مبدأ تمكين الشعب من السلطة فهي منه واليه ،
وعلاوة على تكريس مبدأ سيادة الشعب من السلطة ، وجب ترجمة هذا المبدأ من خلال مؤسسات شعبية تشمل كل شرايين المجتمع من القاعدة إلى القمة، من المجالس المحلية في المؤسسات الانتاجة ، إلى قمة الدولة كما أن الانتداب والانتخاب يجب أن يكون مرفوقا باستمرار بالمراقبة اليومية ، بحيث يمكن نزع الثقة وتصحيح مسار المنتخب ف ياي لحظة ، وإخضاعه لمراقبة وسلطة الناخبين . وهذا هو الكفيل بتحقيق المساواة الفعلية في الحقوق السياسية وتوفير التعددية الحقيقية والسماح للمواطنين بالتعبير عن أنفسهم بشكل كامل وبلورة طاقاتهم الخلاقة في كافة المستويات، والتحكم في مصيرهم بأنفسهم.
وهذا ليس معناه السقوط في الفوضوية واللامسؤولية والتصورات والممارسات الطوباوية الهدامة ، بل إن الديمقراطية الاشتراكية تعطي للقانون دوره التحكيمي العادل والضروري وتنزله المكانة اللائقة به بدءا بالدستور المسطر من طرف نواب الشعب كانون أسمى للبلاد ، وصولا إلى القوانين التطبيقية المقرة في كل المستويات بشكل جماعي عبر المجالس الممثلة لسلطة الشعب ، تلك القوانين التي تنظم وتهذب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وتعاقب كل من سولت له نفسه الإخلال بها أو الخروج عن المصالح الجماعية لفائدة مصلحته الخاصة ، وبالتالي فان القوانين التي يقرها لشعب بشكل حر ونزيه ليست فوق الديمقراطية ولا خارجها ، بل أنها معها وفي خدمتها ، وكذلك الشأن بالنسبة لدولة القانون المبنية والمراقبة من طرف المواطنين والساهرة على خدمة مصالحهم الجماعية وفق مبادئ المساواة في الحظوظ والعدالة الاجتماعية .
أما على الصعيد الإيديولوجي ، بالرغم من المكسب العام الذي حققه الإعلان عن حقوق الإنسان والاعتراف بها ، فلقد اشتمل هذا الإعلان نفسه على بند يجعل من الملكية الخاصة مسألة "مقدسة، فاتحا الباب واسعا أمام نظام الاستغلال والاحتكار ومقننا ومبيحا جوهره الكامن بالحقيق في الملكية الخاصة . ونعني هنا بطبيعة الحال ، ملكية وسائل الإنتاج الأساسية ، وليس الملكية المتعلقة بالاستهلاك والاستعمال الشخصي (مثل السكن واللباس ووسيلة النقل...) والتي لا عيب فيها شريطة أن تتساوى الحظوظ بشأنها وان تنال بشكل نزيه وبحجم دورها في تلبية الحاجيات والشخصية وليس أن تسخر للاستغلال بشكل من الأشكال...
أما مفهوم المواطنة، فلقد ظل يعاني من التجرد والخيالية ما دامت الفوارق الطبقية تبعده عن التطبيق الفعلي . كما اتضح بالملموس أن السيادة الفعلية هي للدولة وليس للشعب- في إطار الديمقراطية البورجوازية ، لا الدولة هي التي تمارسها عمليا تفويضا ونيابة عن الشعب ، كما أن الفصل فيما يبين الدائرتين الاقتصادية والسياسية ما هو إلا فصل شكلي بحيث تظلان محتكرتان من طرف البورجوازية وتظل بذلك الديمقراطية شكلية في العديد من جوانبها ، ومن ثم لم يردد المفكرون الثوريون في نعتها بدكتاتورية طبقة على بقية الشعب
واتضح أن البورجوازية استغلت المد الثوري الشعبية لتصفية النظام الإقطاعي وتثبيت هيمنتها وحكمها ، حكم الرأسمال والربح عبر الاستغلال ، قبل أن تقوم بثورة مضادة وتعمل جاهدة على تهميش القيم الإنسانية العالية التي قامت من اجلها تلك الثورات ، وتحاول إفراغ قيم "الحرية والمساواة والإخوة " من مضمونها الاقتصادي والاجتماعي وتحصرها في نطاق شكلي ليس إلا . هذا مع التأكيد على أن الساحة لم تكن فارغة بل أنها اصطدمت بمعارضة اجتماعية واسعة وتواجهت في صراع طبقي حاد ومتعدد الإشكال ، مع نقيضها الطبقة العاملة والطبقات الشعبية بصفة عامة وفي خضم هذا الصراع الطبقي ، ومع تطور الحركة العمالية العالمية ، تصلب عود الفكر الاشتراكي ، انطلاقا من ارهاصاته الطوباوية المبكرة ووصولا إلى تبلوره ضمن إيديولوجية متكاملة الجوانب ، فكريا وسياسيا وتنظيميا ، ألا وهي الاشتراكية العلمية كنقيض وبديل للإيديولوجية البورجوازية .
وإذا كان صلب هذه الأخيرة ومحركها الأساسي هو الربح من اجل ومن خلال استغلال الإنسان للإنسان ، فان الاشتراكية العلمية تسعى لقلب هذه المعادلة رأسا على عقب لتجعل من خدمة الإنسان اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ، صلب هدفها، فوضعت بالتالي إخراج شعارات الحرية والإخوة والمساواة من دائرة الشكليات إلى حيز المضمون الموضوعي والتطبيق الفعلي. ومن تم الأفكار الأساسية التي تؤسس للديمقراطية الاشتراكية : الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج ، المساواة الفعلية في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، دولة القانون والعدالة الاجتماعية ، السيادة للشعب منه تنبثق السلطة واليه يرجع حق المراقبة الدائمة ، التسيير الذاتي والمسؤولية الفردية والجماعية في حقل الإنتاج ، التعددية السياسية والثقافية والفعلية ، تحرير الإنسان من الأغلال والقيود وتمكينه من المبادرة في كافة المستويات ، وتوفير الشروط الموضوعية والذاتية لتلبية حاجياته الشخصية، وتقدمه وازدهاره كشرط لا محيد عنه لتقدم وازدهار المجتمع ككل.
أسس نوعية ثابتة .. وتطورات كمية لاحقة.
تعرضنا فيما سبق للأسس النوعية والمبادئ والمفاهيم التي أسست لكل من الديمقراطية البورجوازية من جهة ، وبديلها الديمقراطية الاشتراكية من جهة ثانية ، في المستويات الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية . والجدير بالذكر أن جوهر هذه الأسس لم يتغير ، وان هذان المفهومين المتناقضين للديمقراطية النابعين من إيديولوجيتين متناقضتين طبقيا ، قد ظلا في صراع وتضاد خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين ، والى يومنا هذا ، سواء من خلال النضال والصراع الدءوب الذي خاضته وتخوضه الشغيلة داخل الأنظمة الرأسمالية في كافة المستويات وبشتى لوسائل النقابية والجمعوية والسياسية ، والذي تمكن عبر تراكماته المتتالية خلال عقود من النضال والتضحيات الجسام من تحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية وثقافية لصالح الشغيلة ، دون المساس بالجوهر والأسس النوعية للديمقراطية البورجوازية .. أو من خلال الثورات الاشتراكية التي أطاحت بسلطة البورجوازية وأطاحت بسلطة البورجوازية وشرعت في بناء الاشتراكية وتحقيق نماذج من سلطة الشعب والطبقة العاملة والديمقراطية الاشتراكية ، رغم ما عرفته هذه الثورات من انتكاس وتراجع وانحراف في أواخر القرن العشرين ، بعد عقود من التقدم والمكاسب الايجابية ...
وإذا كان القرن التاسع عشر قد شهد ثورة صناعية هائلة غيرت العلاقات الاقتصادية والاجتماعية رأسا على عقب، فان عصرنا الراهن يشهد بدوره ثورة علمية وتقنية لا تقل أهمية ، لازالت تأثيراتها ونتائجها لم تكتمل بعد ، رغم ما نشاهده ونلمسه من تغييرات مضطردة سريعة في تقنيات وتكنولوجيات وسائل الإنتاج، وتحولات مكثفة على مستوى طرق تنظيمه ، وعلى العلاقات والنسيج الاجتماعي بصفة عامة ...
وقصدنا هنا أن نؤكد مرة أخرى، على جدلية ودينامية المفاهيم والمبادئ المرتبطة بالدينامية العامة لتاريخ الإنسانية . ومن هذا المنطلق نؤكد أيضا على الترابط والتواصل فيما بين القيم الإنسانية الحضارية التي تصل مستوى التجرد عن الخصوصيات المحلية لترتقي إلى مستوى القيم الإنسانية الكونية وتغذي الثرات الإنساني الايجابي وتتجاوز نواقصه نحو ما هو أفضل وأسمى . فقيم المشاعية البدائية وما تضمنه من مساواة وأخوة ، شكل بدون ريب إلهاما للفلسفة اليونانية وحضارة "الديموس قراتوس " ، كما أن هذه الأخيرة شكلت في العديد من جوانبها قاعدة انطلاق للنبوغ والتقدم العالمي الذي حققته الحضارة العربية الإسلامية في كافة المجالات العلمية والإنتاجية والثقافية ، وعلى أساس هذه المكاسب انبنت الحضارة الأوربية وما عرفته من تطورات ، ومضمنها نشأت وتطورت الحركة العمالية وما أفرزته من قيم اشتراكية عالية...
وبدون الإطالة في موضوع الترابط والتواصل الجدلي في القيم الإنسانية الكونية ، وطابعها الدينامي المستمر ، يهمنا أن نفند الطرح والجدل التبسيطي الرخيص الذي يلجأ باستمرار في معاكسته لحركة التقدم ، إلى مقولة "الأفكار المستوردة" كلما تعلق الأمر بالمسألة الديمقراطية وقيمها الأصلية العالمية . (هذا بالرغم من أن أصحاب هذه المقولة هم السباقين إلى تكريس التبعية واستيراد الأفكار والقيم الرأسمالية الساقطة...) فالديمقراطية البورجوازية مثلا، وبالرغم من نشأتها وتبلورها في أوروبا ، شكلت قفزة نوعية تاريخية غاية في الإيجابية، قياسا بأنظمة الإقطاع والعبودية ، وارتقت مبادئها على علتها إلى مستوى القيم الإنسانية الكونية . أما الديمقراطية الاشتراكية فإنها لم تسقط من السماء كما أسلفنا ، بل هي الحلقة الأكثر قدما في الفكر الإنساني الكوني ، إذ هي التي تعرضت للديمقراطية البورجوازية لتجريدها من تناقضاتها وتجاوزها بطرح البديل المستقبلي لها ، فشكلت ولا تزال تشكل رغما من المتنكرين والمرتدين الاجتهاد النظر الإنساني الأكثر تقدما نسقا وعلمية ، اتجاه الإجابة على حاجيات الإنسان في العيش الكريم ، والحرية الخلاقة ، والمساواة الموضوعية ، والأخوة الأصيلة والسلام والتقدم والازدهار.
وهذه الملاحظة ( الترابط الجدلي بين المفاهيم ) ليست مجانية بل إنها تأخذ المكانة اللائقة بها في برامج الثوريين خاصة في البلدان الأوتوقراطية التابعة- عندما يتعلق الأمر بصياغة تكتيك واقعي يحقق الترابط والتواصل المتين ين البرنامج المرحلي والأهداف الإستراتيجية المتوسطة والبعيدة المدى ( ولنا عودة للموضوع لاحقا ) .
وخلاصة القول ، وإذا كانت الديمقراطية الاشتراكية تشكل أرقى شكل في تنظيم الحياة الاجتماعية ، فإنها ليست بكل تأكيد عبارة عن مفاهيم وشعارات وجمل ثورية جامدة وجاهزة ، وذلك بحكم التطور التاريخي الدائم وبخاصة التطورات السريعة التي يشهدها عصرنا الحالي ، وبالتالي فان الثوريين مطالبون باستمرار بالبحث والاجتهاد للاستفادة من تجارب الشعوب بما لها وما عليها ، والعمل على تطوير المفاهيم واغنائها ، خاصة تلك التي لم تعرف طريقها إلى التطبيق الواسع والناجح، مثل التسيير الذاتي الفعلي بعيدا عن البيروقراطية ، وصيغ المشاركة والمساهمة الفعلية للمواطن في اتخاذ القرارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ومراقبة تطبيقها ، والتعددية السياسية والثقافية في ظل الاشتراكية وحرية ممارسة المعتقد الديني والروحي بدون تدخل ولا تعسف سياسي من طرف الدولة أو غيرها ...الخ هذا مع التشبث بالجوهر والمبادئ الأساسية للاشتراكية العلمية كأداة للبحث والتحليل والتوجيه ، وعلم قابل للاجتهاد والتطوير ، وكهدف أسمى في آن معا .
I I I- أزمة الديمقراطية في المغرب
بعد أن استعرضنا بعجالة المحددات التاريخية والنظرية والأسس الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية التي انبنت عليها مفاهيم الديمقراطية في بلادنا ، لتبيان مصدرها وجذورها والإحاطة بالأسئلة الحرجة لتي تتبادر مباشرة إلى الذهن: هل توجد فعلا ديمقراطية في بلادنا؟ بصفة فعلية أم صورية فقط ؟ وهل تتوفر أسسها وشروطها الدنيا ؟ وما العمل في المدى القريب والمتوسط لكسبها والنضال من اجلها في إطار الخط النضالي الديمقراطي الاشتراكي؟
ومن المؤكد أننا لسنا المبادرين إلى طرح هذه الأسئلة والإجابة عليها. فالطبقة الحاكمة وحلفاؤها وأتباعها، حكموا وجموا في الموضوع منذ عقود. فأقروا أن المغرب بلد الليبرالية والديمقراطية بلا جدال . وان ديمقراطية المغرب الجديد بلغت درجة من التطور والتقدم لا مثيل لها في العديد من بلدان العالم... وهذه الأطروحة يقام لها ضجيج إعلامي داخلي وخارجي واسع النطاق، ويرددها حتى بعض المراقبين الغربيين والعرب، كلما قاموا بزيارة المغرب أو تناولوا الوضع فيه، فيشهدون له مبهورين بالتعددية وكثرة الأحزاب والمنظمات، وزحمة الصحف والجرائد والمجلات، وبوجود برلمان ومؤسسات تمثيلية... فهل تكفي مجمل هذه الظواهر للقول والجزم بوجود الديمقراطية ومقوماتها الضرورية ؟ وهل تمكن حكامنا فعلا من استيراد واستنساخ الديمقراطية البورجوازية الغربية على علتها ؟
عودة للأسس...
للإجابة على هذه الأسئلة ، نضع جانبا مسبقا المظاهر والشكليات التي تغري وستهوي البعض (بشكل مجرد أو انتفاعي ؟) لنناقش الأسس التي تعرضنا لها فيما سبق ، والتي يحسم وجودها بشكل قاطع في وجود الديمقراطية ، إذا بغياب تلك الأسس تغيب الديمقراطية في جوهرها وفي حدها الأدنى بشكل لاجدال فيه لا بقى منها سوى الشكلي والهوامش .
فعلى الصعيد الإيديولوجي، أوضحنا أن الديمقراطية في حدودها الدنيا دائما، تتأسس على قاعدة احترام حقوق الإنسان، في حين أن تلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تعيش في بلادنا مفارقة صاروخية ما بين الالتزام الرسمي من جهة والواقع المعاش. وإذ يرجع الفضل للجمعيات والمنظمات الحقوقية في التحريف ونشر التوعية بشأنها والدفاع عنها يوميا فان الدولة والطبقة الحاكمة لا تعمل سوى على إضعافها وخرقها والإبقاء عليها في محنة دائمة مزمنة وحتى لا يكون كلامنا معلقا في الهواء من جهة ، وبدون إسهاب في الأرقام والإحصائيات من جهة ثانية ، نذكر بأن 45 % من المواطنين يعيشون في حالة فقر مدقع ، وان البطالة تمس عمليا نصف اليد العاملة ، إضافة إلى ظاهرة البطالة وسط حاملي الشواهد العليا كظاهرة شاذة غنية بالمعاني والدلالات ، وان الأمية تفوق 80 % في البادية و 45 % في المدن وان نسبة المدرس لا تتعدى 50 % وان أربعة ملايين تعيش في مدن الصفيح إضافة لأزمة الكراء الخانقة ، وان أزمة الصحة ضاربة أطنابها ... فأي احترام للحقوق الاقتصادية والاجتماعية هذا ؟ في حين أن الأقلية السائدة التي تستحوذ على الموارد الأساسية للبلاد تزيد بذخا وإثراء ، وان الهوة السحيقة بين الأغنياء الذين يزدادون غنى والفقراء ، فقرا تستمر في التوسع والتعمق بشكل مضطرد منذ الاستقلال الشكلي ...
أما بالنسبة للحقوق السياسية والحريات الفردية والجماعية ، فلن تطيل فيما تنشره صحفنا الوطنية من خروقات وتعسفات ومصادرات يومية لحق الإضراب والعبير والتنظيم ، ومضايقات ومتابعات ومحاكمات وتعذيب واعتقالات تعسفية في حق المعارضين بسبب أفكارهم وقناعاتهم وممارساتهم الديمقراطية ، ويكفينا التذكير بأن مئات المعتقلين السياسيين لازالوا قابعين ف السجون بسب آرائهم ونشاطهم السياسي أو النقابي ، وان عشرات المختطفين لازال مصيرهم مجهولا ، وعشرات الديمقراطيين اضطروا للمنفى والاغتراب عن وطنهم ، وان عددا من المظاهرات الشعبية أغرقت بقوى الحديد والنار في إنهاء من الدماء والدموع وخلقت آلاف الضحايا..
أما على الصعيد السياسي، فلن نطيل أيضا في الطبية الشكلية المغشوشة للمؤسسات القائمة ، وغياب حقوق المواطنة الكاملة والسيادة الشعبية ، كما تنص أسس الديمقراطية ، وفي طبيعة الدستور الممنوح والقوانين لاستعمارية العتيقة ، التي تقص وتضرب الحريات السياسية إضافة إلى قوانين 1973 التي ألحقت ضربات قاسمة بالحقوق والحريات التي تم فرضها بالكفاح الوطني غداة الاستقلال ... وأخيرا طبيعة الدولة المخزنية التي تسود مكان دولة الحق والقانون..
أما التمثيلية والانتخابات فمن المعروف لدى الرأي العام الداخلي والخارجي أنها تخضع باستمرار للغش والتلاعب والتزوير وان البرلمان مجرد غرفة لتسجيل قارات الحكومة ، وان لا جور يذكر له في اتخاذ القرارات التي تهم سير البلاد ومصالحها الكبرى بدءا بالقضية الوطنية والقضايا التي تمس هوية الوطن وانتماءه ، ووصولا للقضايا المتصلة بالحياة الاجتماعية اليومية مثل الصحة والشغل والتعليم أو شكل وصيغة امتحان الباكالوريا مثلا ...
وبالنسبة لمبدأ فصل السلطات كمبدأ ديمقراطي لا محيد عنه، فلا وجود له ... بكل بساطة.
وعلى الصعيد الاقتصادي ، وخلافا لمبادئ التنفس الحر وحرية المبادرة الاقتصادية على قدم المساواة ، نجد الرشوة والمحسوبية والاحتكار والتدخل التعسفي للدولة لتفويت المصالح الأساسية للطبقة السائدة ، ونجد التبعية المطلقة للسوق الخارجة وللتعليمات الأجنبية خارج إرادة المواطنين وخارج مبادئ السيادة الوطنية والشعبية..
وخوفا من تكرار البديهيات ، نخلص بسرعة إلى أن الديمقراطية في بلادنا عبارة عن واجهة شكلية وإنها لازالت تفتقر لأسس الحد الأدنى ، ومرد ذلك يكمن أساسا في طبيعة البنيات السائدة والطبيعة الهينة للطبقة الإقطاعية ، الرأسمالية المرتبطة عضويا بالسوق الأجنبية ، والتي لا تتصرف كبورجوازية حقيقية تعمل على خدمة مصلحتها الذاتية عبر خدمة المصلحة الوطنية وتوسيع السوق الداخلية وتسعى إلى نشر وتعميم مبادئ الديمقراطية الليبرالية في كافة المستويات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل أن الطبقة السائدة في بلادنا بعيدة كل البعد عن كل هذا ، وان الذي يهمها هو الحفاظ على امتيازاتها وبذخها غير المنتج الذي تستمده من دورها كوسيط وسمسار للرأسمال العالمي...وبالتالي فإنها تعادي الديمقراطية في العمق وبهمها منها سوى الشكليات ( برلمان مزور ، تعددية مفرطة ومتحكم فيها ، حقوق وقوانين معلنة إلى جانب تأطير بوليسي ومراقة وقمع منهجي في جميع مرافق الحياة ...) تلك الشكليات التي تستعمل كيافطة تعرض على الرأي العام الأجنبي للتغطية عن حقيقة الواقع الاستبدادي واللاديمقراطي ، أما على المستوي الداخلي فلم تعد اللعبة تنطلي على احد إلا لمن له فيها مصلحة وانتفاع.
ما العمل ؟..
قبل التعرض لهذا السؤال ، ورفعها لأي التباس ، نؤكد التزام حزبنا ، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي بمبادئ الديمقراطية الاشتراكية انسجاما مع اختياره الإيديولوجي ، اختيار الاشتراكية العلمية ، باعتبارها أرقى شكل من أشكال الديمقراطية حسب ما توصل إليه الاجتهاد والفكر الإنساني. هذا مع التأكيد على ضرورة الاستفادة القصوى نظريا وعمليا من دروس مسيرة الشعوب- خاصة بعد انهيار النمط البيروقراطي في البناء الاشتراكي واغناء وتطوير مفاهيم الاشتراكية العلمية باعتبارها نظرية جدلية حية وعلم في تكوين مستمر ، من جهة، ومن جهة ثانية " التأكيد على تشبثنا الشديد بتراث شعبنا وقيمه التقدمية ، وتراث حضارتنا العربية الإسلامية وما تزخر به من قيم نضالية تقدمية ، لأن طموحنا في نهاية المطاف يبقى هو ابتداع الأساليب الخلاقة الكفيلة بتطبيق المفاهيم الاشتراكية الكونية العامة بمحتوى ومضمون وروح مغربية أصيلة ، بدءا من الاستفادة من ايجابية "الجماعة" والديمقراطية المباشرة ، وصولا إلى تطبيق التسيير الذاتي والأساليب والأشكال الاشتراكية الأكثر تقدما وانسجاما مع روح العصر ، مرورا برد الاعتبار وترسيخ وتطوير قيمنا الشعبية الايجابية مثل تقاليد التضامن والتآخي ، وحفظ الكرامة واحترام الكلمة والوعد ، والنزاهة والوفاء في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .. وبهذا التوجه الذي يعطي لكل مفهوم كوني مضمونه المحلي الواقعي الملموس ، نسعى إلى إدماج مجمل هذه المفاهيم والقيم ضمن مشروعنا المجتمعي ، مشروع المغرب الحر الديمقراطي الاشتراكي .
وإذا كانت هذه طموحانا وأهدافنا الإستراتيجية ، فما العمل آنيا أمام الواقع اللاديمقراطي للبنيات القائمة وطبيعة الطبقة السائدة التي ذكرنا ؟ هذا ما أجاب عنه حزب الطليعة ، عندما حقق الترابط المتين بين إستراتيجيته من جهة وبرنامجه المرحلي من جهة ثانية ، عبر خطه النضالي الديمقراطي . فالأمر لا يتعلق هنا ب "إستراتيجية المراحل " كمراحل منفصلة منعزلة ، بل بحلقات متصلة ضمن مسلسل نضالي ثوري واحد ، حلقات تحدد لنا بوضوح ، حسب التحليل الملموس للواقع ولموازين القوى الظرفي ، ما هو قابل للتطبيق في المدى القريب ، وما يرجع للمدى المتوسط والبعيد . فالانخراط الآن بطل حزم وعزم في النضال الديمقراطي اليومي مع الجماهير ومن اجل مصلحتها ، هو خدمة مباشرة للمستقبل وتعبيد الطريق التي تؤدي بالمسلسل الثوري الشعبي إلى تغيير موازين القوى تلك وفرض قيام أسس الديمقراطية وفتح باب تطويرها والرفع بها نحو أكمل وأسمى صورها
إن الوضع السائد في بلادنا اليوم وضع لاديموقراطي بكل تأكيد، وهو بعيد ك البعد عن الليبرالية بالرغم من الادعاءات الرسمية الواهية ، لأن الليبرالية تعتبر شكلا متقدما من الديموقاطية البورجوازية ، بينما تنعدم حتى هذه الأخيرة في بلادنا باعتبار غياب أسسها الايديوليوجية الاقتصادية والسياسية كما ذكرنا سابقا .
وأمام هذا الواقع الذي لا نصفه من اجل وصفه والتأسف على حالته، بل من اجل العمل على تغييره فلايمكن للمناضل الديمقراطي ان يبقى مكتوف الأيدي إلى أن تتحقق كل الشروط والظروف إن هي تحققت بقدرة قادر ! ... لبناء وترجمة قناعاته الإيديولوجية الكاملة ، بل إن الانسجام مع تلك القناعات يفرض عليه الانخراط بكل قوة في النضال الديمقراطي بمختلف إشكاله وواجهاته في إطار المعركة التي تتواجه فيها يوميا الطبقة السائدة مع جماهير شعبنا في كل المستويات .
وهذا النضال الديمقراطي كما نفهمه يتطلب التواجد والعطاء والنضال في الصفوف الأمامية في واجهات متداخلة يكمل بعضها البعض الآخر :
* واجهة النضال النقابي للدفاع عن القوت اليومي للجماهير ومصالحها المادية والمعنوية والصمود أمام الاستغلال والابتزاز والحد من آثارهما.
* واجه النضال الاجتماعي عامة وعلى رأسها الدفاع عن حقوق الإنسان من اجل احترامها وتطبيقها الفعلي ، إلى جانب النضال الجمعوي في المجالات التربوية والثقافية والاجتماعية ...
* واجهة النضال السياسي من اجل فرض حقوق المواطنة وسيادة الشعب وفصل السلط ، وإقامة مؤسسات تمثيلية فعلية ...
إن النضال اليومي في هذه الواجهات المترابطة والمتفاعلة فيما بينها هو ما يستحق أن يصطلح عليه بالنضال الديمقراطي ، وليس التحريك الانتخابي الموسمي في إطار المساومة والعمالة الطبقية و "التراض" في توزيع لغنائم والحصص على حساب مصلحة الجماهير وعلى حساب الديمقراطية نفسها
avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

مستقبل الاشتراكية العلمية

مُساهمة من طرف رياضي في السبت أغسطس 18, 2012 4:55 am

مستقبل الاشتراكية العلمية

ندوة نظرية لحزب العمل السويسري يحضرها حزب الطليعة الفيلسوف والمناضل الماركسي جورج لابيكا : "بروز البديل الاشتراكي الحقيقي في أحشاء الوضع السائد حاليا ضرورة تاريخية لا محيد عنها" الأخ عبد الغني بوستة : " التضامن لم يعد كافيا والمطلوب معالجة القضايا المشتركة على المستوى الاستراتيجي ’’ مكتب ‘‘الطريق’‘ باريس …

عقد حزب العمل السويسري في شهر مارس المنصرم ندوة نظرية داخلية ضمت مجموعة من مناضليه وأطره ونوابه المنتخبين من مختلف مناطق سويسرا. وتضمنت الندوة أربعة فقرات أساسية تناولت القضايا الثقافية و الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية وذلك من خلال عدة عروض ومناقشات. وركزت الندوة في الجانب الثقافي على فن السينما بشكل خاص وعلاقته بالقضايا الاقتصادية الإيديولوجية السائدة، أما في الجانب السياسي فلقد تناولت التطورات الأخيرة في سويسرا وفرنسا وأوروبا بصفة عامة. وشكلت القضايا الإيديولوجية المحور الأساسي داخل الندوة خاصة من خلال العرض القيم الذي قدمه الفيلسوف الأستاذ الجامعي الفرنسي جورج لابيكا. أما في الجانب الاقتصادي فلقد وقفت الندوة على معالم الأزمة الرأسمالية الراهنة. والجدير بالإشارة أن حزب العمل السويسري المعروف بمواقفه المناضلة والمنفتحة في نفس الوقت، حقق في السنين الأخيرة تقدما جماهيريا هاما حيث يترأس أحد نوابه بلدية لوزان في حين أنه أحرز على نسبة 18 في المائة من الأصوات في بلدية جينيف. ونظرا للعلاقات الحميمة التي تجمعه بحزب الطليعة، فقد وجه لهذا الأخير دعوة استثنائية لحضور ندوته النظرية الداخلية. وسنقتصر في هذه المراسلة على ملخص مركز حول بعض الجوانب الإيديولوجية التي تناولتها الندوة، إغناء للنقاش النظري الذي يهم كافة المناضلين الاشتراكين أينما وجدوا. وجهة نظر الفيلسوف الماركسي جورج لابيكا تجربة الاتحاد السوفياتي والآفاق قبل تناول حاضر ومستقبل الاشتراكية، رأى جورج لابيكا، من خلال المداخلة التي قدمها، ضرورة الوقوف عند تقييم تجربة المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي بصفة خاصة، وطرح السؤال حول ماضي الاشتراكية، وحول طبيعة الاشتراكية التي نتحدث عنها، وما الذي انهار تحديدا في الاتحاد السوفياتي ؟ يقول لابيكا : "إن الثوريين عبر العالم وخلال العقود المنصرمة كانوا يدركون جيدا أن المعسكر الاشتراكي كان يعاني من أمراض داخلية تهدد كيانه، لكن لا أحد كان يتوقع أبدا -بما في ذلك العالم الرأسمالي الغربي- السرعة التي انهار بها، ولا أن يتم ذلك بشكل سلمي نسبيا، وفي وقت وجيز قياسا مع حجم التحولات الضخمة التي حدثت. وإن أي تحليل موضوعي لما حدث في الاتحاد السوفياتي يجب أن يركز على المعطيات التاريخية العينية لهذا البلد-القارة، والطريقة التي نهجها لمحاولة بناء الاشتراكية. والحقيقة أن كتابات لينين خلال السنتين الأخيرتين من حياته، تسلط أضواء ساطعة على تلك المعطيات غداة انتصار ثورة أكتوبر العظيمة في القضاء على النظام الإقطاعي، وشروعها في إعادة بناء الدولة والاقتصاد الوطني على نمط جديد. وأول ما يركز عليه لينين بهذا الصدد، هو أن التصورات التي طرحها في كراسه الشهير "الدولة والثورة"، تصطدم بعراقيل أساسية تحول في الواقع دون تطبيقها. ومن أهم تلك العراقيل التخلف الموضوعي للمجتمع نتيجة هيمنة الاقتطاع خلال القرون السابقة، والضعف الفظيع في وسائل الإنتاج والوسائل العملية بصفة عامة، وحقيقة هياكل الدولة التي لازالت متأثرة إلى حد بعيد بالنمط القيصري البائد. أما الحزب فلم يعد تلك النواة الثورية الصلبة المصقولة والمنسجمة، بل التحقت به مئات الآلاف أغلبهم لأسباب ومطامع شخصية. ويقول لينين أن ثورة أكتوبر " قد دفعت بمجتمع متخلف في مسلسل من التغييرات الإيجابية، لكن الذي نحن بصدده ليس مجتمعا اشتراكيا كما كنا نتصوره، والذي ينقصنا بشكل مأساوي هم الرجال (بمعنى الأطر) إذ يحيط بنا من كل جانب عناصر غير كفؤة أفسدتها السلطة.." وإن الوعي بمختلف هذه الظروف الموضوعية التاريخية، إضافة إلى ضعف البروليتاريا بصفة عامة وتقوقع منظماتها النقابية في دور ذيلي للحزب والدولة، هو الذي جعل لينين يطرح " ما العمل؟ " بشكل جديد، ويقبل على تغييرات أساسية في نهج البناء الاشتراكي حيث يطرح برنامجه الشهير المعروف ب "السياسية الاقتصادية الجديدة " (N.E.P) والحقيقة الموضوعية أن طبيعة المجتمع السوفياتي قبيل وفاة لينين هي عبارة عن طبيعة مخضرمة "رأسمالية-اشتراكية" وضعت على نفسها رهان التفوق على الرأسمالية لكن في ميدان "الإنتاجية". وهذا رهان خاسر مسبقا، لأن الرأسمالية كانت متفوقة في هذا الميدان، علما بأنها تسخر الإنتاجية لصالح الربح. وبالرغم من أن الاتحاد السوفياتي كان يسعى إلى الفوز في ميدان الإنتاجية لفائدة المجتمع والقضايا الاجتماعية، إلا أنه سقط في فخ التنافس في هذا الميدان وفق مقاييس تحطيم الأرقام القياسية في الإنتاج، وإذا ما أضفنا إلى ذلك المجهود الحربي الهائل الذي فرضه عليه العالم الرأسمالي ورهان "التفوق العسكري" أيضا، نفهم إذاك المعوقات المنهجية التي مست البناء الاشتراكي في عهد ستالين. ولفهم تلك المفارقات الغريبة التي جعلت الاتحاد السوفياتي يحتل المرتبة الأولى في ميدان غزو الفضاء مثلا، ويعجز في نفس الوقت، عن صنع القميص والسروال والقلم بشكل مرضي. ستالين اخترع الماركسية اللينينية ومن هنا، يجب الوعي بأن عهد ستالين لم يكن عبارة عن "انحراف شخصي" (وإلا سهل القضاء عليه بالشكل الشخصي المناسب) لكنه كان وليد هياكل معينة. وإن ساهم في تأزمه العامل الشخصي، فإن هذا الأخير وجد التربة المناسبة وجميع الظروف التي تساعد على الانحراف والتراجع والتقهقر .. وبالرجوع إلى كتابات لينين في السنة الأخيرة من حياته على الخصوص، فانه يتحدث عن مجتمع هجين و"ابن شرعي" للاشتراكية، ويقول بوضوح "إن السياسة الاقتصادية الجديدة" تراجع ثوري وتحالف طبقي في إطار تعايش النظامين الرأسمالي والاشتراكي. والفظاعة الكبرى، هي أن يعتبر ستالين أن هذا الواقع الهجين الانتقالي الذي فرضته ظروف تاريخية معينة هو النمط الشيوعي النموذجي الذي يجب أن تقتدي به جميع مناطق العالم وكيفما كانت الظروف المحلية، إذ يتعلق الأمر فقط ب "التطبيق" و "استنساخ" هذا النمط .. وستالين تحديدا هو الذي اخترع مقولة "الماركسية اللينينية" وفرضها على العالم الاشتراكي كعنوان لقالب جاهز يفرض سيادته على الجميع، في حين أن هذه المقولة بدعة نظرية تتناقض ونهج وأفكار ماركس ولينين معا .. وكذلك الشأن بالنسبة لمقولة النظرية المنسجمة المكتملة، كأن ستالين ينصب نفسه بمثابة "خاتم الأنبياء". ومن ثم، فلا فائدة في أي اجتهاد نظري ولا حتى في قراءة نصوص ماركس ولينين، إذ يكفي قراءة كراس ستالين (الهزيل) الذي فسر "الماركسية اللينينية" في ظرف يوم واحد … والمأساة أن هذا النمط من التفكير وهذه الماركسية-اللينينية هي التي سادت وفرضت نفسها بالقوة على الماركسيين وأحيانا بالقمع المباشر والدموي، حيث أن أعدادا لا تحصى من الثوريين الحقيقيين أدوا بأرواحهم ثمنا لمعارضة هذا النمط. وفي ظل الظروف "القمعية" بالمعنى الجسدي وكذلك بالمعنى الإرهابي الفكري عبر العالم، فإن الماركسية الحقيقية قد استمرت في تطورها "تحت الأرض" سواء من خلال بعض التجارب النوعية المتميزة أو من خلال أعمال المثقفين العضويين من أمثال غرامشي ولوكاتش ولفيير وغيرهم. وبالرغم من هيمنة الستالينية وما تلاها على المستوى السياسي، نلاحظ أن بعض التجارب قد ابتعدت عمليا عن النمط السوفياتي مثل تجربة "الديمقراطية الجديدة" في الصين التي لا علاقة لها ب "النمط" ، أو تجربة كوبا .. الخ ومهما يكن، وكيفما كانت التجارب الاشتراكية الانتقالية، هناك حقيقة تاريخية ثابتة لا يمكن أن يجادل فيها أحد : لقد طبعت الماركسية عصرنا الراهن وبشكل لا رجعة فيه. يتجلى هذا في كافة العلوم الاجتماعية التي شهدت بفعل الفكرالماركسي الحي والدائم التطور، تحولات عميقة ونهائية، كما نجده في كافة المستويات الإيديولوجية أو السياسية أو حتى التنظيمية منها التي تهم مصير الشعوب.. وفكر من هذا القبيل لا يمكنه أن ينهار هكذا بين عشية وضحاها، بل ستدفعه روحه المبنية على التحليل النقدي والجدلية إلى تفريخ المزيد من "الأحفاد" بشكل لا متناهي.. سمات الوضعية الحالية من خلال الملاحظات السابقة نستنتج خلاصة أساسية ألا وهي أن الفكر الاشتراكي العلمي ظل وسيظل حيا موجودا، وأن الذي انهار في الشرق هو النمط الستاليني الهجين الذي عجز عن تشكيل بديل تاريخي للرأسمالية، والعكس أصبح صحيحا أيضا … فبعدما هللت البورجوازية لانتصارها الساحق في رهان التنافس الإنتاجي والحرب الباردة، نلاحظ اليوم أنها عاجزة تماما على تنصيب الرأسمالية بديلا تاريخيا في المعسكر الاشتراكي هكذا بضربة سحرية. لقد ادعت البورجوازية بأنها تملك فعلا الحل السحري ، إذ يكفي الإقرار باقتصاد السوق والخوصصة، وجلب الاستثمارات الأجنبية ليتم ب"سهولة" التحول نحو الرأسمالية. إلا أن الأمر لم يكن بتلك السهولة أمام الطبيعة الخاصة والهجينة للهياكل القائمة. فمن الذي سيستثمر في تلك البلدان بدون ضمانات أكيدة في الربح ؟ على عكس ادعاءات إعادة البناء والتنمية فإن ألمانيا الغربية تتصرف بمثابة المستعمر تجاه ألمانيا الشرقية سابقا، ونرى الرأسمال العالمي يقبل على تدمير الفروع الأكثر إنتاجية والأكثر تقدما في بلدان أوروبا الشرقية، حتى ينفرد لوحده بالتكنولوجيا المتطورة ويقضي على أي إمكانية للتنافس . وهذا هو الاتجاه العام لدى الرأسمال العالمي اليوم الذي يسعى إلى بسط هيمنته المطلقة على العالم، بدون منافس، وهو يتمتع الآن بكامل الحرية للتعبير على طبيعته الحقيقية التي تؤدى إلى مزيد من الكوارث الكونية في كافة المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية والبيئوية، لا لشيء ، إلا لإشباع الجشع اللا متناهي للرأسمالية في الربح. كل هذا بالتستر وراء "إيديولوجية الحقوق والنظام العالمي الجديد" الذي يبيح للرأسمال العالمي حق التدخل العسكري العنيف في أي مكان على وجه الأرض. وما يعني نظام صندوق النقد الدولي ونظام الديون سوى تلغيم اقتصاديات بلدان الجنوب من أساسه، وتوفير وسائل ضغط هائلة لتركيعها وإخضاعها ؟ وفي بلدان أوروبا الغربة نفسها نجد أكثر من 32 مليون عاطل وحالات منتشرة من الفقر المدقع تجعلنا نقول بأن "العالم الثالث" أصبح داخل "العالم الأول". أما في أوروبا الشرقية فلقد أصبحت البطالة تمس 75 في المائة من السكان بفعل الانتقال إلى "اقتصاد السوق". وقد تدعي البورجوازية أن الرأسمالية حققت تقدما اجتماعيا باهرا وتخلصت من الظروف الاجتماعية القاسية التي رافقت نشأتها ؟ وهذا تضليل بطبيعة الحال، لأن العديد من البلدان التي تسيطر فيها الرأسمالية لا زالت تعيش ظروفا تشابه ظروف الرأسمالية في القرن 19. ولن أتردد في القول بأن الحالة العامة الراهنة أسوأ مما كانت عليه إبان كارل ماركس، والحال أن الإنسان أصبح يلتجئ إلى بيع الأحشاء البشرية بحثا عن لقمة العيش، ناهيك عن استغلال عمل الأطفال والمتاجرة بهم وعن تنامي البؤس والفقر في بلدان الجنوب ، وتخريب الموارد الطبيعية الكونية، وتنامي الحروب .. أما الدعارة وتجارة المخدرات فهي جزء لا يتجزأ من الإنتاج الرأسمالي بكل بساطة. وبصفة عامة، وبموازاة التدويل المضطرد للإنتاج، فإن العصر هو عصر الهيمنة المفرطة للرأسمال المالي على حساب الرأسمال الإنتاجي الذي كان سائدا في القرن 19، عصر سيطرة المال الذي يولد المال مباشرة بدون إنتاج ولا مساهمة في التراكم والتنمية .. أين البديل ؟ بالرجوع إلى التحليل الجدلي العلمي، فإن البديل يوجد في الواقع نفسه، والمستقبل الذي يسعى إلى توليده الثوريون ليس كما يتصورون أو يحلمون بل كما هو موجود في الواقع في تناقض جدلي مع الوضع السائد. وكما أنه ليس هناك نمط اشتراكي بحث، فإن النظام الرأسمالي البحث والصرف، لا يوجد في الواقع كذلك. بل نلاحظ أن المجتمعات الرأسمالية الحالية قد استوعبت العديد من الجوانب الاشتراكية. نلاحظ هذا في طرق تنظيم الإنتاج والتسيير العصري، كما نلاحظه في النمو المستمر للحركة الجمعوية واتساع رقعة تأثيرها، وفي بروز الحركات البديلة في أوروبا مثلا، التي تركز بشكل هام على تطوير مفهوم المواطنة والديمقراطية المباشرة، لكي تصبح السياسة من صنع المواطنين. هذا إضافة إلى المكانة الأساسية التي تحتلها الحركة العمالية وحركة الشغيلة بصفة عامة وكل الحركات السلمية والمناهضة للنظام الرأسمالي السائد، وباختصار كل الحركات والتنظيمات الاجتماعية والأشكال الإنتاجية والثقافية التي تعارض مغالطة القرن التي تقدم الديموقراطية الغربية على أنها النموذج العالمي الأوحد بعدما "انتهت الايديولوجيات" وحل عهد "العدمية الجديدة".. إلى غير ذلك من الادعاءات البلهاء. إن أمل الإنسانية في العدالة الاجتماعية والتقدم والهناء لايمكن أن يقتل. وإن بروز البديل الاشتراكي الحقيقي من أحشاء الوضع السائد حاليا ضرورة تاريخية لا محيد عنها، ولن يتأتى بروز هذا البديل إلا بتنمية وتدعيم وتكثيف النضال الديمقراطي في جميع بقاع العالم، شمالا وجنوبا، وترسيخه في المجال الاجتماعي على الخصوص حتى يتأتى فتح الطريق نحو عهد "ديمقراطية المنتجين" وعهد "المواطنة الحقيقية المتكاملة". وقد تلا هذا العرض القيم للأستاذ جورج لابيكا-كما بالنسبة لبقية العروض الأخرى التي لا يسع المجال هنا لنقلها– نقاشات معمقة في جو من الحماس والمعنويات المرتفعة والثقة بالمستقبل، سواء بالنسبة للمناضلين الشباب أو بالنسبة لمن تمتد تجربتهم إلى أزيد من خمسين سنة من النضال، عايشوا خلالها كل مراحل تطور الحركة العمالية.



** كلمة الأخ عبد الغني بوستة



وفي اختتام الندوة ، أعطيت الكلمة لحزب الطليعة باعتباره الضيف الوحيد على هذه الندوة الداخلية، فارتجل الأخ عبد الغني بوستة كلمة موجزة استهلها بعبارات الشكر والامتنان لحزب العمل على دعوته الكريمة مشيرا إلى علاقات الصداقة الحميمة التي تجمع بين الحزبين منذ سنين، وبعد أن ذكر بشكل مختصر بالمواقف والاختيارات الأساسية التي يتبناها حزب الطليعة، أضاف قائلا: "رفاقي الأعزاء: اسمحوا لي بأن اعبر لكم عن الشعور بالسعادة والارتياح لنتائج ندوتكم النظرية هذه التي تميزت بمستوى عال من الاجتهاد والوضوح والصراحة الثورية. ومما يزيد من سعادتنا أن تلك النتائج الهامة التي سطرتموها تلتقي تماما مع عدد من الخيارات والمواقف التي يتبناها حزبنا في المجالات الإيديولوجية والسياسية، ومع النهج النظري العام الذي اختاره منذ سنين. فنحن مثلكم نتبنى الاشتراكية العلمية كإيديولوجية ومنهج ، ولكننا نرفض ورفضنا باستمرار الدوغمائية والقوالب الجاهزة. ونحن لم نقل يوما ما ب "الماركسية اللينينية" نظرا لما تحمله هذه المقولة من تقزيم وتبسيط واختزال للنظرية الثورية التي يصنعها ويحركها باسمرار كفاح الشعوب ومثقفيها الثوريين العضويين من أمثال ماركس ولينين وغيفارا وغرامشي واميلكار كابرال ومهدي عامل والمهدي بن بركة وغيرهم كثيرون، في كافة مجالات البحوث الاجتماعية–الإنسانية– والإيديولوجية والسياسية … وان موقفنا المتميز هذا في حزب الطليعة كلفنا غاليا خلال سنين طويلة، إذ لم نكن أعضاء رسميين في "عائلة" الماركسية اللينينية ولا انتمينا أيضا "لأسرة" الأممية الثانية المنحرفة والملقبة زورا بالاشتراكية. فكنا طوال عقود مضت، ورغم علاقات التضامن التي جمعتنا بعديد من الحلفاء والأصدقاء والأشقاء، كنا بمثابة "أيتام الاشتراكية" إن صح التعبير. وكم يسعدنا اليوم أن تتأكد صحة اختياراتنا من خلال التجربة الملموسة، وأن يتأكد للجميع أن الاشتراكية العلمية بريئة من الدوغمائية وأنها علم دائم التطور والإغناء، وإن التبني الفعلي للاشتراكية العلمية والوفاء لروح مبادئها لا يقاس بقياس الحصول على لقب أو يافطة منمقة. ولا أقول هذا من باب التباهي بحزب الطليعة الذي أتشرف بالانتماء إليه، ولكن للتأكيد على أن أمام كل الاشتراكين الثوريين آفاق مشرقة لصياغة نظرية متماسكة تجيب على متطلبات العصر وما يشهده من تحولات هائلة، وذلك بعد الفشل التاريخي للدوغمائية وللتطرف اليساري على حد السواء، واللذين تسترا معا وراء يافطة "الماركسية اللينينية". وإذ نجتهد جميعا في تعميق أجوبتنا على القضايا النظرية والاستراتيجية المطروحة أمامنا، فإن الأمر لا يتعلق في أي حال من الأحوال بمساومة ما مع الرأسمالية، أو بالتسليم لهذه الأخيرة بفوز نظريتها الاستغلالية، بل إن الأمر يتعلق بمعركة فكرية حقيقية لا هوادة فيها، معركة تستثني المساومة والارتداد والتحجر والتشنج في نفس الآن. والحلول والإجابات النظرية التي نحن بصدد صياغتها بالنسبة للقضايا الجديدة المطروحة أمامنا، لا يمكنها أن تكون من جديد عبارة عن وصفات أو نمط جاهز وقابل للاستنساخ، لأن عهد "النمط" (كيفما كان هذا النمط ) قد انتهى، والمطروح هو التشبع بنهج جديد تضرب جذوره في المنهج والأفكار والقيم للاشتراكية العلمية ذات الطبيعة الكونية، ويدمج نتائج آخر التطورات العلمية، ويجيب بشكل ثوري سديد على قضايا العصر وعلى متطلبات كل واقع ملموس ومعطياته التاريخية. فالاشتراكية العلمية ليست دينا، والثوريون الجدليون لا يمكنهم أن يكونوا "أصوليين " بالمعنى الضيق للكلمة… ومساهمة في النقاش بصدد ما جاء في مداخلة الرفيق جورج لابيكا الشيقة القيمة، أود التأكيد على أهمية الثورة التقنية والعلمية التي يشهدها عصرنا، والتي ترتبت عنها تحولات جذرية في كافة المجالات سواء على مستوى وسائل وعلاقات الإنتاج أو بالنسبة للتشكيلات الاجتماعية نفسها، وانعكاسات كل هذا عالميا، شمالا وجنوبا، بتغييرات عميقة سريعة إلى درجة يصعب معها تتبع كل التطورات. هذه التغيرات (التي تفوق حجما وعمقا واتساعا ما أتت به الثورة الصناعية في القرن المنصرم) تحتم علينا مراجعة عدد من التصورات والتحاليل، في حين أنها تدفع بشكل مضطرد سريع نحو مزيد من التدويل الشامل في مجالات العلوم نفسها، والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكذا الإيديولوجية بطبيعة الحال، ولا أدل على ذلك من انتقال عدد من القطاعات الإنتاجية برمتها من الغرب الرأسمالي نحو البلدان النامية، وما يترتب عن ذلك من تبعية وتداخل وترابط في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية. فنحن مثلا في حزب الطليعة، عندما نقف على صياغة استراتجيتنا وبرنامجنا المرحلي، لابد لنا أن نأخذ بعين الاعتبار ليس فقط محيطنا المغربي والمغاربي والعربي، ولكن أيضا المحيط الأوروبي والعالمي بصفة عامة. فاتفاقية "ماستريخت" الأوروبية مثلا، لها انعكاسات مباشرة على أوضاعنا، ولابد لنا من إدماج معطياتها ضمن إستراتيجيتنا. والحالة هذه، فمن حقنا أن نطالب رفاقنا في أوروبا بمجهود مماثل. فمسألة "التضامن" لم تعد كافية سواء في صيغة التضامن الإنساني أو صيغة " التضامن الاممي"، بل المطلوب هو معالجة قضايانا المشتركة على المستوى الاستراتيجي، وإدماجها في استراتيجية كل طرف على حدة. فمن الواضح كما قال الرفيق لابيكا أن "العالم الثالث" أصبح داخل "العالم الأول " لكن العكس صحيح أيضا، فإن "العالم الأول" يوجد داخل "العالم الثالث" ممثلا في الطبقات الرأسمالية السائدة في بلداننا وما يربطها من علاقات التبعية والتمازج والاندماج الاقتصادي والسياسي والثقافي مع البورجوازية الغربية. ومن الواضح أيضا أن الرأسمالية حققت لنفسها هياكل فعالة لتنسيق استراتيجيتها على المستوى الدولي، فلماذا نتأخر نحن عن الركب؟ وأخيرا، رفاقي الأعزاء، لقد انتبهت مثلكم لما جاء في مداخلة الأستاذ لابيكا حول كتابات لينين في السنة الأخيرة من حياته، خاصة ما قاله بشـأن مأساة ندرة الأطر والنواقص في تكوين الثوريين، وما ندوتكم النظرية هذه إلا مساهمة في الجواب على المشكل، لأن مثل هذه المبادرات والأعمال هي التي تسمح للمناضلين بتوسيع آفاق نظرتهم وتطوير وتعميق قدراتهم. لذلك أشكركم مجددا على إتاحة الفرصة لنا للاستفادة منكم ومن تجربتكم الغنية ومشاطرتكم الرأي في القضايا الجوهرية التي تهم مصير شعوبنا ..
avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

رد: عبد الغني بوستة السرايري

مُساهمة من طرف رياضي في السبت أغسطس 18, 2012 5:33 am

http://www.maroc-realites.com/web/maroc-realites-ar



ولد عبد الغني بوستة في الثامن عشر من فبراير 1949 بمدينة مراكش، وتابع دراسته بضواحيها. وفي عام 1957، وهو في الثامنة من عمره، ألقى بتشجيع من مدرسته أول خطاب له، احتفالا بحصول المغرب على استقلاله، ركز خلاله على ضرورة بناء مغرب مستقل وحر، وعلى ضرورة توحيد جميع القوى في البلاد من أجل تحقيق هذا الهدف.

في عام 1965 ، حصل عبد الغني على الباكالوريا العلمية وهو في السادسة عشرة من عمره، فالتحق بالمدرسة المحمدية للمهندسين بالرباط، إذ شارك خلال مدة دراسته فيها في مختلف النضالات والإضرابات الطلابية التي شهدتها الجامعة المغربية.

في سن العشرين، تخرج كمهندس في الإلكترونيات، لكنه لم يتمكن من مباشرة الحياة العملية، لأن أساتذته اعتبروا أن صغر سنه لا يؤهله لتحمل أعباء المسؤوليات المهنية، الأمر الذي دفع بهم إلى إيفاده إلى مدينة غرونوبل في فرنسا لمتابعة دراسته في دبلوم للدراسات المعمقة، وشهادة تخصص في الأوتوماتك بمعهد البوليتيكنيك بغرونوبل.

في هذه الفترة، انضم إلى صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حيث ناضل بشكل متواصل في صفوف الحزب والاتحاد الوطني لطلبة المغرب. وحول هذه الفترة من حياته، حيث كانت العروض المغرية تنهال عليه من الأندية البلجيكية والفرنسية لكرة القدم، كان يردد باستمرار: " كان علي أن اختار بين كرة القدم والالتزام السياسي فاخترت دون تردد".

في بداية السبعينيات، انضم إلى التيار الشعبوي الذي كان يقوده محمد البصري (المعروف بالفقيه)، إذ كان مستعدا للتضحية بحياته من أجل إحلال دولة الحق والقانون ومناهضة الاستبداد.

وبعد أن تخرج مهندسا في الأوتوماتك الصناعي، عاد إلى المغرب في يوليو 1972 فعين وهو في الثالثة والعشرين من عمره مديرا للسدود في الجنوب المغربي، غير أن أحداث مارس 1973، التي كان الفقيه البصري المسؤول الرئيسي عنها، اضطرته إلى الدخول في النضال السري ثم مغادرة البلاد والاستقرار في المنفى .

ما هي حقيقة هذه الأحداث ؟

كان المغرب يمر بمرحلة عصيبة بعد محاولتي الانقلابين العسكريين في 1971 و 1972، فقد اندلعت أعمال مسلحة ضد عدد من المؤسسات الحكومية في بعض المدن والأرياف. وفي مطلع مارس 1973، قام مناضلون من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بعبور الحدود الجزائرية المغربية باتجاه الأطلس للقيام بعمل عسكري واسع ضد النظام المغربي. إلا أن قوات الشرطة تمكنت من تطويقهم في 3 مارس 1973، فاستشهد العديد من الرفاق في هذه المواجهة من بينهم محمود بنونة، واسكور محمد، وإبراهيم تيزنتلي بينما خاطر البعض الآخر منهم بحياتهم للالتحاق بالجزائر. وعلى إثر هذه الأحداث، تم اعتقال عدد كبير من الرفاق وحكم على ثمانية منهم بالإعدام ونفذ الحكم فيهم يوم فاتح نوفمبر 1973 الذي صادف ذلك العام عيد الأضحى. وهؤلاء هم :

عمر دهكون ، عبد الله بن محمد ، آيت عمي الحسين، بارو مبارك،

بوشكوك محمد ، حسن الإدريسي ، موحا نايت بري ، وتغجيت الحسن .

عاش عبد الغني ما بين مايو 1973 و سبتمبر 1974 في السرية وقام خلال هذه الفترة، مع البعض من رفاقه، بتقييم وتحليل الأخطاء الفادحة التي ارتكبت خلال الإعداد والتحضير لأحداث مارس 1973.

وفي شهر سبتمبر 1974 اضطر عبد الغني إلى الاستقرار في المنفى بباريس.

عقب انعقاد المؤتمر التأسيسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أصدر عدة مناضلين من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية نداءا في فاتح ماي 1975، ينتقدون فيه التوجهات الجديدة والغريبة لهذا المؤتمر، التي تشكل قطيعة مع مواقف وأطروحات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. ذلك أن الأمر لا يتعلق بتغيير بسيط في اسم الحزب: الاتحاد الاشتراكي بدل الاتحاد الوطني، بل هو تنكر تام للاختيارات الجوهرية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

في هذا الخضم، أصبحت فكرة خلق تيار فكري وسياسي بديل تفرض نفسها وسط هؤلاء المناضلين. فكان من المؤسسين الأساسيين لحركة الاختيار الثوري.

في نفس سنة 1975، اقترح مساهمة بعنوان "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية : نقد ذاتي"، ظهرت في يناير 1976، وكانت أولى منشورات الاختيار الثوري. ومما جاء فيه بخصوص تجربة 3 مارس 1973 : " (....) لقد ساهمت تجربة 3 مارس 1973 في إلقاء الضوء على التناقضات الداخلية للحزب وعلى إظهار كل قياداته بوجهها الحقيقي : قيادة انقلابية ومغامرة لا تتردد بالتضحية بحياة العشرات من المناضلين في معركة غير مضمونة"

وفي دجنبر 1976 تم إصدار الاختيار الثوري كجريدة شهرية بالعربية ولعب دورا أساسيا في توجيهها. وقد ساهم في تكوين وتوعية عدد كبير من المناضلين من بينهم معتقلين سياسيين من خلال المقالات العديدة التي كان ينشرها.

وما انفك منذ ذلك الحين وحتى رحيله، يقوم بتنسيق أنشطة الحركة والمساهمة بشكل حاسم في توجيهها، وصياغة برامج عملها، والمشاركة في بلورة مختلف مواقفها التي صدرت بنشرتها الشهرية، أو في المطبوعات المختلفة ( "قضية الصحراء"، التحليل النقدي لحركة التحرر الوطني والاتحاد الوطني للقوات الشعبية " الخ.. ) . وفي عام 1982، تم تطوير النشرة الشهرية بتحويلها إلى مجلة فصلية.

وفي 1977، ترأس جمعية القارات الثلاث، التي كانت مفتوحة للعديد من المناضلين العرب، (سوريين، جزائريين، وفلسطينيين، الخ..) وقامت هذه الجمعية بإصدار العدد الأول من مجلة للعالم الثالث تطرح نفسها كحاملة ومدافعة عن الخيارات الثورية التي رسمها المهدي بن بركة. ولكن للأسف، توقف إصدار هذه المجلة لانعدام الوسائل المادية اللازمة.

بعد ذلك، أنشأ مع مناضلين آخرين، "مركز ابن رشد" وأشرف عن ترجمة عدة مؤلفات إلى العربية منها: "أمير المؤمنين" للباحث الانكلوساكسوني ج. واتربيري، و"الفلاح المغربي، مالك العرش" للباحث الفرنسي ريمي لوفو، و "المغرب: أمبريالية وهجرة" للكاتب المغربي عبد الله بارودي...

توسع انتشار حركة الاختيار الثوري بالخارج لتشمل هولندا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا بالإضافة إلى فرنسا وليبيا والجزائر. وكانت اللقاءات التي تنظمها الحركة تعد بحق مناسبة ل"مواجهات" إيديولوجية وسياسية حقيقية، ومناسبة لإعداد برامج عمل ووسائل تنفيذها من أجل إدانة النظام المغربي وسياسته، وتطوير الروابط النضالية بين مختلف تيارات اليسار المغربي.

وبشكل موازي، كانت التناقضات مع الفقيه البصري تزداد حدة، وهذا ما دفع حركة الاختيار الثوري في 30 مارس 1982 إلى الإعلان رسميا أن جميع المواقف السياسية التي يتخذها محمد البصري على المستوى الوطني أو الدولي لا تلزمها في شئ، بل إنها تتعارض مع توجهاتها. إلا أن إصرار هذا الأخير على مواصلة التصريحات دفع بالحركة في 2 فبراير 1983 إلى إصدار بيان تعلن فيه قطع علاقاتها معه، "لقد حاربت حركة الاختيار الثوري باستمرار الخط الإصلاحي المغامر داخل الحزب (...) لقد اعتبرت دائما الإصلاح والمغامرة وجهان لعملة واحدة" (مجلة الاختيار الثوري 1983).

وفي سنة 1983، اتخذت أغلبية مناضلي اللجنة الوطنية الإدارية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قرارا بانفصالها عن المكتب السياسي لتنكره لاختياراته الأساسية وعمله على تمرير مواقف تخاذلية تواطئية، والتفوا حول ما سمي آنذاك بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية–اللجنة الإدارية الوطنية، الذي سيصبح ابتداءا من سنة 1991 حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.

نتيجة لذلك، طرحت مسألة حل حركة الاختيار الثوري فالتحق العديد من مناضليها بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية–اللجنة الإدارية الوطنية، حيث تولى عبد الغني مسؤولية تمثيله بالخارج. وكانت "رسالة المغرب" الناطق الرسمي باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية–اللجنة الإدارية الوطنية، ثم حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي بعد ذلك. أما مجلة الاختيار الثوري فقد توقفت عن الصدور.

في عام 1988، صدرت مجلة "الوطن" التي كانت تهتم بقضايا التحرر والتنمية والاشتراكية في المغرب وفي العالم العربي. من جهة أخرى، فقد دفعه التطور الذي حصل في العلاقات والتعاون والصداقة مع الحركة التقدمية العالمية وبصفة خاصة في أوروبا، إلى القيام، بالتعاون مع مجموعة من رفاقه، بإنشاء "المركز المغربي للتعاون وحقوق الإنسان" سنة 1989، ثم أتبع ذلك بإصدار نشرة "الحقوق المتعددة" الخاصة بالمركز.

وفي عام 1993، انعقد في المغرب المؤتمر التأسيسي لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، الذي كان يحمل سابقا اسم " الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية–اللجنة الإدارية الوطنية "، حيث تمكن المناضلون في المنفى من المشاركة في أعماله عبر الشبكة الهاتفية.

بهذه المناسبة، قال عبد الغني في كلمته التي وجهها، باسم المنفيين، إلى مؤتمر حزب الطليعة: "... إذا كانت المسافات والظروف التي تعرفونها قد فرقت بيننا اليوم فتأكدوا أننا حاضرون معكم رغم بعدنا الجغرافي (...) إننا نعيش معكم هذه اللحظة التاريخية وهذا المنعطف الأساسي في مسيرة حزبنا المظفرة. إن هذا المنعطف ليؤكد رسوخ حزبنا في خياراته الأساسية التي صاغتها وطورتها وعمقتها أجيال متعاقبة من المناضلين الصادقين (...) لقد قدم شعبنا سيلا لا ينقطع من الكفاحات والانتفاضات وسكب أنهارا من الدماء والدموع، من أجل أن تنتصر هذه الأهداف والتطلعات. ومازال يتغنى بها مع الشاعر الشعبي الذي يقول: " لا تركن لهم لا تطوع. لا تخطاك مقاومة .. لا تخضع لمساومة خلي راسك مرفوع وزيد قاوم وكافح ... زيد قاوم وكافح علم الظالم طايح ... زيد قاوم وكافح وارفع صوتك بلسان الحق وطالب عرض عودك معك الحق وانت غالب".

انطلاقا من هذا التاريخ أصبح ممثلا لحزبه في العلاقات الدولية كعضو في المكتب الوطني واللجنة المركزية. وعمل على التعريف بمواقف حزبه من خلال "رسالة المغرب"، لسان حال حزب الطليعة في الخارج، وشارك في عدة مؤتمرات في فرنسا وإسبانيا والبرتغال، وساهم في عدة ندوات وملتقيات خصصت لحقوق الإنسان والوضع السياسي في المغرب.



وعلى اثر العفو العام سنة 1994، وبعد تردد طويل، قرر الدخول إلى بلده للمساهمة بين الفينة والأخرى مع رفاقه في تطوير وتوطيد دعائم الحزب على المستوى الإيديولوجي والسياسي والاقتصادي والاستراتيجي. وعمل بكل إخلاص وثقة على صياغة برنامج نضالي يهدف من ورائه إلى المساهمة في تطوير الخط الإيديولوجي والسياسي والنضالي للحزب، بعيدا عن كل طموح وصولي، لا يحدوه في ذلك سوى الحرص على رؤية حزبه يحمل عاليا راية النضال ضد الظلم من أجل الديمقراطية والاشتراكية وتحقيق الكرامة الإنسانية.

شارك بشكل منتظم في مختلف اجتماعات اللجنة المركزية وقدم مجموعة من المقترحات الملموسة حول البرنامج العملي، كما نشر عدة مقالات تحليلية نشرت بجريدة الحزب "الطريق" : التاريخ النقدي للحركة الوطنية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، المبادئ والأسس لقيام جبهة ديمقراطية موحدة..

في أكتوبر 1995، ومن خلال بيان داخلي مفصل، قدم استقالته من المكتب الوطني لحزب الطليعة، محافظا على عضويته في اللجنة المركزية. ومنذ ذلك الحين، أصبح همه الأساسي الالتزام بكتابة التاريخ السياسي للمغرب وتجربة الحركة السياسية المغربية ولاسيما الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وعلى صعيد آخر، فقد صب كل جهوده على تجميع كتابات وأعمال المهدي بن بركة، بالتعاون مع عائلة هذا الأخير. وكان يهدف، من خلال الاسترشاد بالتحليلات السياسية للمهدي، إلى استخلاص معايير وقواعد لفهم الأوضاع السياسية الراهنة.

إضافة إلى ذلك، وإخلاصا منه لالتزامه السياسي كان ينوي المشاركة عبر مساهمات إيديولوجية وسياسية في أشغال مؤتمر الحزب الذي كان من المقرر أن ينعقد عام 1999.

تطلبت منه أنشطته السياسية المختلفة عدة تنقلات واقتضت منه أن يكون جاهزا للعمل بشكل دائم. وبالرغم من هذه الضغوط النضالية، فقد اضطلع مند سنة 1985 بمجموعة من الأنشطة المهنية كمهندس استشاري في الأوتوماتك الصناعي. وقد مكنه عمله الحر من نسج علاقات مع شركات كبرى مثل رينو، ايرو سباسيال، طومسون، آلستوم . وهكذا، فقد أشرف على تنظيم العديد من الدورات التدريبية المهنية في مجالات اختصاصه مثل التعيير الحراري بواسطة مصححات رقمية، التعييير الحراري في مجال التكييف الهوائي، التحكم والتعيير الحراري في مجال التدفئة المركزية، بالإضافة إلى تنظيم وتنشيط دورات مخصصة للصناعيين وبالتعاون معهم للتعرف على الآليات والتجهيزات الصناعية الأتوماتكية للتعيير الحراري وطرق تشغيلها.

وبما أنه كان يعطي الأولوية لالتزامه السياسي فإنه كثيرا ما كان يعتذر عن قبول العديد من عروض العمل، ومع ذلك ورغم رفضه المستمر فإن المؤسسات الصناعية غالبا ما كانت تتوجه إليه بالنظر لكفاءاته العلمية والبيداغوجية. وكان من المقرر أن يشرف في أكتوبر 1998 على دورة تدريبية على التكييف الهوائي.

إن تحمله لمسؤوليات نضالية جسام كان لا يعني بالنسبة لعبد الغني التفريط في مسؤولياته المهنية والعائلية، فقد كان يعرف كيف يوازن بينهما ويعطي الوسائل الضرورية لأطفاله لمتابعة دراستهم وبناء مستقبلهم .

منذ يوليو 1996، داهمه مرض عضال: سرطان القولون الذي نخر جسمه بسرعة مذهلة بالنسبة لسنه (47عاما). وما من شك من أن متاهات المنفى وقساوته، إضافة إلى بعض خيبات الأمل العميقة وسقوط الأوهام، قد زادت من شدة المرض. لقد أصيب بكل تأكيد في صميم جسده من جراء بعض الممارسات السياسية التي تجمع بين اللؤم والتجرؤ على القيم، ولكنه لم يشأ أبدا أن يظهر ألمه للعلن، وهذا ما فاقم من وضعه.

وخلال أكثر من سنتين، ورغم نصائح المقربين منه (العائلة والأصدقاء) بأن يكرس كل وقته للعناية بصحته، استمر في النضال من أجل إقامة دولة الحق والقانون والديمقراطية. وبالرغم من خضوعه لعلاج كيميائي قوي استنزف كل قواه، فقد بادر إلى بدء مشاريع كتابية لم يقدر لها أن تكتمل، كما أنه لم ينقطع لحظة عن تأمين تحرير ونشر وتوزيع نشرة "الحقوق المتعددة" والمشاركة في مجموعة من اللقاءات والندوات إذ كان يؤمن بالحوار والتفاعل الفكري بين الدول الإفريقية والمغاربية. كما نظم العديد من القصائد الزجلية، ترجمت إحداها للفرنسية، وكذا مقالة لم تكتمل "أفول الطغاة"، جزء منها مسجل صوتيا.

لكن همه الأساسي كان هو الدخول للألفية الثالثة من بوابة التكنولوجيات الحديثة، عبر خلق موقع على الأنترنيت حول المغرب وحقوق الإنسان أسماه "مغرب الحقائق". ومن بين الأهداف التي كان يريد أن يحققها عبر هذا الموقع إيصال الحقيقة إلى العالم قاطبة لأنه على الرغم من تآلب كل الجهود لمحاربتنا أو تجاهلنا، كما كان يقول، فإنه من الواجب المثابرة في طريق الحق والعدالة. كان يرفض أن تخلو الساحة من أي صوت يرتفع للتنديد بالظلم، كما كان يرفض أن يستسلم لليأس مؤمنا بوجود أمل بغد أفضل. وإلى اليوم، لازال هذا الموقع يعرف باستمرار عدة تطورات وتحديثات.

اتسمت المعركة التي خاضها بضراوة من أجل إقامة الديمقراطية والقانون والحرية، بالتفتح على جميع الاتجاهات حيث كان يعتبر أن وحدة قوى اليسار هي وحدها القادرة على تحقيق نتائج عملية ملموسة لتحسين ظروف عيش الشعب المغربي.

من هذا المنطلق، لم يتوقف عبد الغني لحظة واحدة عن العمل من أجل فتح نقاش صربح وبناء بين مختلف التيارات السياسية لبلورة أرضية عمل مشتركة هدفها النضال ضد الظلم والظلامية وإرساء الشروط الحد الأدنى لبناء ديمقراطية حقيقية و تأسيس دولة الحق والقانون.

وفي "رسالة المغرب" (عدد فبراير 1995)، كتب عبد الغني تحليلا نقديا لعملية التناوب الأولي وخلص إلى القول: " لقد حان الوقت بالنسبة للقوى الديمقراطية ببلادنا، لأن تتكتل لتحقق، عبر النضال الديمقراطي الوحدوي الذي تفرضه المرحلة، مطالبها الدستورية والسياسية المستعجلة، ونخص منها:

- مراجعة جذرية وشاملة للدستور لإقامة دولة الحق والقانون والديمقراطية، السيادة الشعبية، فصل السلطات، انبثاق الحكومة والوزير الأول من الأغلبية على أن يكونا مسؤولين أمام البرلمان (وليس العكس)، انتخابات حرة ونزيهة ... الخ.

- إلغاء نتائج الانتخابات، وإعادة انتخاب مؤسسات ديمقراطية تمثيلية حقيقية، دون تزوير ودون أي تدخل للسلطات.



فالأزمة السياسية ستتوسع وتستفحل بدون إقامة أسس الديمقراطية، لأن تعاقب واستبدال الوزراء والحكومات، وشبه الإصلاحات والترميمات الاقتصادية والاجتماعية لن يغير من الواقع شيئا. فلا يمكن تحقيق أي تنمية حقيقية أو سلم اجتماعي ما دام الشعب محروما من ممارسة سيادته، وما دامت المؤسسات الاقتصادية والإدارية تتميز بالجمود والرشوة..." .



لقد ظل يساوره الشك في قدرات وإمكانيات الحكومة الحالية ومدى نجاح عملية التناوب. ففي سبتمبر 1998، أي خمسة أيام قبل رحيله، كتب مقالا بعنوان :"حكومة اليوسفي : الإجراءات المستعجلة والآفاق" جاء فيه : هل يمكن لليوسفي أن يخلق الشروط الضرورية لفرض احترام الإنسان، وللانتقال الحقيقي نحو دولة الحق والقانون؟ إن تحاليلنا السابقة والظروف الغريبة التي تمخضت عنها هذه الحكومة تدفعنا إلى الشك في ذلك...لكننا من جهتنا، سنثمن كل مكسب اجتماعي وكل تقدم ديمقراطي في بلادنا، وستكون الإنجازات معيارنا الوحيد للحكم على التجربة..."



بالرغم من شكوكه، ظل عبد الغني متمسكا بالنضال من أجل الديمقراطية والكرامة الإنسانية، وكان يحب الاستشهاد بهذه العبارة لماركس فريش التي تقول :"من يناضل قد يهزم، أما الذي يتخلى عن النضال فقد انهزم" ، وبذلك فإنه لم يتراجع أبدا عن معركته الدائمة، ضد الظلم والتعسف وضد الانتهازية والانتهازيين.

ورغم طرحه لمجموعة من الأسئلة حول المستقبل المظلم ليس فقط على المستوى المغربي وإنما أيضا على المستوى العالمي، فقد احتفظ إلى آخر رمقه، بقدرة فريدة على إعطاء الأمل لكل محيطه.

حياة بوستة برادة 1999








avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

رد: عبد الغني بوستة السرايري

مُساهمة من طرف رياضي في الإثنين سبتمبر 21, 2015 3:59 am

حلت اليوم دكرى وفاة مناضل عزيز نادر ومتميز انه المناضل لحسن مبروم احد اعمدة اليسار بمدينة مراكش والمناضل الطليعي الدي عاش الصراع الفكري والسياسي داخل الحركة الاتحادية ضد اليمين والانحراف وقاد في المنطقة التوجه اليساري واسهم في تاسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل واطر العمال ونظم الحركة النقابية وتعرض للقمع والملاحقات والاعتقال والطرد التعسفي من العمل وظل صامدا رافضا الخضوع رغم الظروف القاسية التي عاشها والتي لم تزدها الى ايمانا بضرورة الصمود والنضال ضد حكم تسلطي استبدادي ينتهج كل الاساليب لتحطيم المناضلين ،كما اشتغل في المجال الحقوقي في اطار الجمعية المغربية لحقوق الانسان في فرعها بمراكش الدي كان من ابرز وانشط الفروع واقواها وادكر اننا انداك كنا نعطي المثال في البعد الديمقراطي والطابع التعددي البادخ للاطار الحقوقي الدي يفتح دراعيه لكل الطاقات، واسهم في تاسيس حركة الموقوفين من التعليم والوظيفة العمومية بعد اضراب 79 و1981 واستطاعت هده الحركة الدي كان احد قادتها ان تحقق العديد من المكتسبات واساسا عودة المطرودين ، كان لحسن طاقة من العمل المواهب كتب في المسرح والسينما واشتغل في الاندية السينيمائية واشتغل في الصحافة كمراسل ومتعاون مع جريدة المسار والطريق ،كان شديد الحركة في كل يوم جديد هناك فكرة جديدة وابداع لا يمكن لك ان تلاحقه، انسان صبور وعفيف ، لم نفقد مبروم المناضل بل فقدنا مبروم الانسان الطيب الوفي لاصدقاءه الدي كان بيته مفتوح للجميع فاسعد اللحظات لديه هو مجالسة لرفاق والاصدقاء لقد عشنا قريبين منه ومن اسرته التي عشقها وكافح من اجلها وواصلت الاخت امينة رسالته في تربية الابناء صفاء وهناء وسلمى اللواتي واصلن رسالة الاب في الجدية والاصرار ورفع التحدي ، وقدمت امينةهده الانسانة والمناضلة الصامدة كل التضحيات من اجل دراستهن وتربيتهن واسعادهن وتعويضهن الاب الحنون والطيب والمعطاء، حين سقط لحسن مريضا كان في الضفة الاخرى رفيقه عبد الغني بوستة يعاني هو الاخر من المرض وشاءت الظروف ان يغادر نا عبد الغني في نفس الشهر وفي نفس السنة بايام قليلة ولقد كتب عبد الغني رسالة الى لحسن مبروم مؤترة مفعمة بالعمق الانساني قبل رحيله خصوصا انه علم ان يعاني مثله من نفس المرض اللعين تلقفها لحسن ورفعت من معنوياته، وخصوصا انها من احد قادة حزبنا واحد ابرز الوجوه التي اسهمت في بناء الحركة التصحيحية داخل الحركة الاتحادية في اوروبا والدي لعب دورا فكريا وسياسيا واعلاميا متميز في دعم نضالات الشعب المغربي وقواه التقدمية ومساندة ضحايا القمع والاضطهاد ، والتعريف بكفاح شعبنا من اجل الحرية والديمقراطية في فرنسا واوروبا واسهم في البناء الفكري والسياسي التنظيمي لحزب الطليعةالديمقراطي الاشتراكي سيبقى كل من مبروم لحسن وعبد الغني بوستة في داكرة المناضلين وفي داكرة شعبنا كرمزين من رموز النضال التحرري للشعب المغربي من الحرية والديمقراطية والاشتراكية




    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء نوفمبر 21, 2017 4:43 am