منتدى يهتم بمستجدات العمل السياسي والنقابي محاولا رسم صورة مغايرة على ما عليه الوضع الان


شعيب حليفي..."يجب أن ندافع عن ثقافتنا وهويتنا من السياسة الثقافية"

شاطر
avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

شعيب حليفي..."يجب أن ندافع عن ثقافتنا وهويتنا من السياسة الثقافية"

مُساهمة من طرف رياضي في الأحد يونيو 28, 2015 7:41 am

زهرة زيراوي - المغرب
مقابلة مع شعيب حليفي

شعيب حليفي: "يجب أن ندافع عن ثقافتنا وهويتنا من السياسة الثقافية"

تقديم:

شعيب حليفيد. شعيب حليفي أستاذ بجامعة ابن مسيك، كلية الآداب الدار البيضاء. يدرّس مواد الرواية، والسرد القديم، والمناهج الأدبية. رئيس ماستر للدراسات الأدبية والثقافية بالمغرب، وقسم الدكتوراه. من أعماله : "مساء الشوق" (1992)؛ "زمن الشاوية (1994)؛ "رائحة الجنة" (1996)؛ "لا أحد يقفز فوق ظله" (2010). أنشأ معرضا للكتاب بالحي الشعبي بالدار البيضاء منذ خمس سنوات، وقد امتد نشاطه هذا العام (2012) للشعراء المنسيين. قال عن ذلك: "هو اعتراف بالكلمة الشجاعة وبمن وقفوا شامخين لتحرير الخيال من الخوف والانبطاح وعبرت قصائدهم بصدق عما يحدث. علينا أن نعيد لهم الاعتبار". شعيب حليفي هو ابن الشاوية، سطات تحديدا، المدينة التي كان لها دورها القوي في ربط الجنوب بالشمال، والجسر الذي امتد يربط المغرب بالخارج.

زهرة زيراوي: شاعرة وفنانة تشكيلية مغربية.

الحوار

ز ز: تتنقل ما بين الرواية والنقد ونقد النقد والكتابات الاجتماعية
والاحتفاء بشعراء من العالمين العربي والغربي، فأعدتنا للشعراء كاسبارا ستامبا، وفرانكو
خيرونيكا، وريلكة، ولسان الدين بن الخطيب. ما المراد بهذا الكر والفر بين هذه العوالم
الأدبية؟

ش ح: كرٌّ وفرٌّ: إنه تعبير جميل وشاعري رغم مضمونه المجازي العنيف؛
كرٌّ وفرٌّ في ساحة توحي بأنها للحرب والثأر. والحال أن الكتابة في مجتمعنا ليس لها
من خيار سوى أن تكون في صراع مع واقع يعجّ بالأوهام والأكاذيب والإكراهات التي تؤدي
إلى التحقير والتهميش واليأس. دور الكتابة هنا هو بناء هوية قادرة وآملة تتكسر عليها
كل مُسببات أوجاعنا. الآن، المثقف ليس هو ذلك الذي ينزوي ويكتبُ بعيدا عن رجّات مجتمعه،
بل منخرط عضويا في كل النسيج مع تنويع قوله وإحياء الذاكرة المستنيرة من خلال أسماء
وشخصيات وإبراز أفكار ورؤى فعّالة.

زهرة زيراويز ز: النص الإبداعي في المغرب أرادت بعض المؤسسات أن تجعل له صفوفا:
القصة، الشعر، الرواية إلى آخره. الفنان محمد القاسمي كان شاعرا فذا، لكن لم يلتفت
إليه ووضع في عالم التشكيل، بينما في فرنسا تم الاحتفاء به شاعرا وفنانا تشكيليا. أنت
الآن تراوح بين النقد والرواية والكتابات الاجتماعية، فهل هي رسالة مناوئة للحبس في
صف؟

ش ح: كل إبداع حقيقي، لا يُمكنُ أن يتخندقَ ضد أحد بعينه، وإنما هو
ممارسة تُنتج تخييلا وفكرا، وهما بالمُناسبة وجهان لعملة واحدة: يتصارعان مع ممارسات
ثقافية تحمل وتُكرس سلطة فكر معين. هذا التنوع الذي أعْبُرُه ذهابا وإيابا تؤطره الكتابة
بشكل عام ويتمم بعضه بعضا؛ فما أقوله في الرواية أقوله بشكل آخر في النقد الأدبي وفي
الكتابات الاجتماعية وباقي النصوص التي أكتبها تحت مسميات مختلفة.

ز ز: في أي درب من هذه الدروب تجد سكنك الحميمي الأقرب إليك؟

ش ح: أجد نفسي في هذا العبور صعودا وهبوطا. فالإنسان عموما هو مثل دورة
السنة الفلاحية، لا بد أن تكون له فصول متناغمة ومتفاعلة. لكل فصل فواكهه التي يعبِّرُ
بها عن نفسه. لكن، لو محّصت معي الأمر قليلا، فإنني أميل إلى التخييل حيث اشعر بحرية
أكبر في القول السردي وتحرير خيالاتي وخيالات من قد أمثلهم أو أعكسُ تمثلاتهم.

ز ز: لماذا لا تلتفت مؤسساتنا لا تلتفت اليوم لأسماء خالدة وللتراث،
بينما نجدك تميط اللثام عن صناع التاريخ فأعددتنا إلى ابن الصباغ الجذامي وإلى مصطفى
الأزموري المعروف في الغرب بـ"ستيباينكو"، وهو من أصل مغربي عربي إفريقي ومن أعظم المستكشفين
في تاريخ أميركا الشمالية، حيث استكشف عمق منطقة أصبحت ولايتي أريزونا ونيو مكسيكو
في الولايات المتحدة؟

ش ح: لدينا هوية ثقافية وحضارية تعود لآلاف السنوات. في المغرب يسرقنا
اليومي الحار، وتجرفنا الأوجاع السريعة والمتتالية لتصبح خيبات نغرق في أوحالها، فلا
نلتفتُ إلى تلك القنوات الثرية التي ترتبط بنا، وهذا دورنا كمثقفين، بالمعنى العام،
لأن المؤسسات الرسمية، في المغرب، وفي عدد من الدول العربية، ليس من مصلحتها أن يكون
لنا تاريخ أكبر من الراهن المختل، وليس من مصلحتها أن نتعايش وشخصيات هي مرجعيتنا ورموزنا.
لنتأمل الرموز التي يتمثلها جيل الأطفال والشباب اليوم، إنها رموز خارجية من الغرب
وأمريكا، وللأسف ليست للمفكرين والأدباء وإنما لفنانين ورياضيين عابرين.

ز ز: لماذا استحضرت مصطفى الأزموري في كلية الآداب بجامعة غرناطة (إسبانيا)
في خطاب الرحلة ما بين أوروبا والمغرب. هل ذلك لمد لجسر تحاور الحضارات ما بين الغرب
والمغرب؟

ش ح: نحنُ دائما نؤمنُ بالتثاقف والحوار والبحث عن جسور ثقافية حضارية
تعلو عاليا عن التوترات والحسابات الظرفية. والغريب أن في ثقافتنا العربية عموما، والمغربية
خصوصا، مئات بل آلاف الجسور المتينة وهي مفخرة لنا وللإنسانية. ومنها مصطفى الأزموري
الملقب بـ "استيبانيكو" الذي عاصر الحسن الوزّان الملقب بليون الأفريقي، وللأسف قلة
قليلة من المثقفين المغاربة من اهتموا بهذه الشخصية على عكس جهات رسمية في أميركا تهتم
به وتحتفل بإنجازاته.

ز ز: ما هو الهدف من إقامة معارض كتاب في أحياء شعبية؟

ش ح: اشتغالي يسير في اتجاهين كبيرين: العمل الأكاديمي داخل الجامعة
برفقة باحثين في مجال تطوير البحث العلمي بالمغرب وربطه بمجتمعنا وثقافتنا من جهة،
ومن جهة أخرى العمل الثقافي في المدن الصغرى والهوامش والتعامل مع الأشكال التعبيرية
المهمشة والمقصية. لذلك، فإن معرض الكتاب بساحة السراغنة هو واجهة ثقافية أسسنا لها
برفقة إخواننا في الجمعية البيضاوية للكتبيين وعدد من المثقفين. ورغم ما حققناه من
نتائج فإننا نأمل توسيع أنشطتنا في تظاهرات تعكس نبض المجتمع بشكل مباشر، لذلك فقد
أعلنا مؤخرا مسابقة في شعر الزجل لتحرير الوجدان الشعبي حتى يعلن عن مشاعره تجاه مجتمعنا
المغربي بكل تحولاته المفهومة وغير المفهومة.

ز ز: أسست "المرصد الوطني للثقافة" تعبيرا عن ضرورة العودة إلى الوعي
"المُعبر عن الدور التاريخي للمثقف تجاه ثقافته ومجتمعه". هل تشعر بأن ذلك يؤدي الرسالة
المطلوبة؟

ش ح: المرصد المغربي للثقافة الذي جاء تعبيرا عن رغبة جماعية ووعي بضرورة
التصدي لسياسة ثقافية فاشلة ومدمرة. الآن أعتقد أن "المراصدة" دورهم يتكاثر اليوم،
لا بد أن نفكر جميعا في الدفاع عن ثقافتنا وهويتنا ليس من السياسة الثقافية فقط ولكن
من التدبير السياسي برمته.

..................................


.........................
شعيب حليفي

٢٣ حزيران (يونيو) ٢٠٠٦بقلم شعيب حليفي
تكبير النصتصغير النصنص فقط

- الاسم الكامل: شعيب حليفي
- مكان وتاريخ الميلاد الكامل حسب التقويم الشمسي: المغرب،21 دجنبر 1964 ،سطات
- البلد الأصلي (للتعريف): المغرب
- العنوان الحالي: الدارالبيضاء – المغرب
- التخصص الجامعي: أدب
- الشهادة الجامعية :دكتوراه الدولة.
- اسم الجامعة التي تخرجت منهاSadجامعة محمد الخامس، الرباط،المغرب، 1999.

تابع تعليمه الابتدائي بسطات بمدرسة ابن تاشفين ( القشلة) بعد سنة في حفظ القران الكريم على يد الفقيه سي احمد ، ثم انتقل إلى ثانوية ابن عباد ، حيث تابع دراسته الإعدادية والثانوية وحصل على الباكالوريا ليلتحق للدراسة الجامعية بكلية الآداب- الدار البيضاء و يحصل على الإجازة في الآداب سنة 1987 .
انتقل إلى كلية الآداب بالرباط لمتابعة دراسته العليا. ويحصل على دبلوم الدراسات المعمقة سنة 1988 ،ودبلوم الدراسات العليا سنة1990 في موضوع شعرية الرواية الفا نتاستيكية بإشراف الدكتور محمد برادة ولجنة علمية متكونة من الأستاذين أحمد اليبوري رئيسا ومحمد الدغمومي عضوا .
وفي سنة 1999، يناقش رسالة دكتوراه الدولة في موضوع ( الرحلة في الأدب العربي : التجنس ، آليات الكتابة، خطاب المتخيل) بإشراف د/ عبد الله علوي المدغري ود/ إدريس بلمليح ولجنة علمية متشكلة من الأساتذة : أحمد اليبوري رئيسا وعضوية سعيد يقطين و عبد الرحيم مودن.

- التخصص الأدبي :روائي، ناقد أدبي ،أكاديمي.
المؤلفات وتشمل قائمة بالمؤلفات كالتالي:

أصدر في مجال النقد :

- شعرية الرواية الفانتاستيكية. القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة . مصر. ط 1 – 1997 (296 صفحة) . ط.2 دار الحرف .القنيطرة . المغرب . 2008

- الرحلة في الأدب العربي: التجنس،اليات الكتابة ،خطاب المتخيل . ط.1.مصر .الهيئة العامة لقصور الكتاب. كتابات نقدية عدد 121.ط.1. ابريل 2002. (528 صفحة ) الطبعة .2 .الدار البيضاء 2003. الطبعة الثالثة. القاهرة .دار رؤية 2006. (576 صفحة )

- هوية العلامات: في العتبات وبناء التأويل. القاهرة .المجلس الاعلى للثقافة. مصر.ط-1 .2004. ’...صفحة) ط-2 .الدار البيضاء. دار الثقافة . المغرب. 2005 .( 224 صفحة).

في مجال الرواية :

مساء الشوق . (رواية ) .منشورات الرهان الاخر .المغرب. ط- 1 .1992.
زمن الشاوية . (رواية ).الدار البيضاء .منشورات افريقيا الشرق.ط.1 1994.ط- 2 .القاهرة.1999.
رائحة الجنة. ( رواية )، الدار البيضاء .منشورات الرابطة .المغرب.ط – 1 .1996.
مجازفات البيزنطي.(رواية ) ،الدار البيضاء .منشورات القلم المغربي. ط- 1 .2006.

كتابات اجتماعية:

- الاستمرارية:وقائع كفاحات الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.1978-1997.الدارالبيضاء.دارالنشر المغربية.ط.1.1997 (138 صفحة)
- صمود واستمرار.في جزأين.الدار البيضاء. منشورات ك.د.ش. ط.1 0200(718صفحة)
- محاكمة الحق في التعبير: الوقائع الكاملة لمحاكمة الأموي ابتدائيا واستئنافيا من طرف الحكومة المغربية 1992. الدار البيضاء .منشورات حقوق الناس .ط.2. 2001 . (262 صفحة )
- عن قرب: حوارات مع نوبير الأموي.الدر البيضاء .منشورات ك.د.ش. ط .1. 2001. ( 216 صفحة )
- ماي الكونفدرالي1999.الدار البيضاء .دار النشر المغربية .ط.1. 1999. (72 صفحة )
- ماي الكونفدرالي 2000.الدار البيضاء .دار النشر المغربية. ط.1 .2000 .(72 صفحة )
- النقابي:الكتاب السنوي للك.د.ش. 2004 .الدار البيضاء. منشورات ك.د.ش. ط.1. 2005.( 104صفحة )

معلومات أخرى

- رئيس التحرير والمدير المسؤول عن جريدة الرهان الآخر .جريدة وطنية تصدر من الدار البيضاء (2001 – 2003)
- رئيس مختبر السرديات ( كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك ) منذ 1993
- رئيس ماستر الدراسات العليا والدكتوراه: الدراسات الأدبية والثقافية بالمغرب
- رئيس مؤسسة تامسنا للدراسات والأبحاث حول الشاوية
- عضو اللجنة العلمية بآداب بنمسيك – الدار البيضاء
- عضو الهيئة العلمية الاستشارية لمجلة الخطاب (دورية أكاديمية محكمة- جامعة تيزي وزو.الجزائر
- شارك في عدد من الندوات بالمغرب والعالم العربي وأوربا وأمريكا في مجال الآداب والعلوم الإنسانية .

ساهم بالكتابة في عدد من الجرائد والمجلات المغربية والعربية وفي عدد من الكتب الجماعية.

أشرف على إعداد مجموعة كتب في مجالات الأدب، التاريخ، القانون ، والدراسات النقابية ضمن سلاسل:

- منشورات الرهان الآخر
- حقوق الناس- دفاتر الشاوية
- منشورات ألك.د.ش
- مختبر السرديات
- القلم المغربي

avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

رد: شعيب حليفي..."يجب أن ندافع عن ثقافتنا وهويتنا من السياسة الثقافية"

مُساهمة من طرف رياضي في الأحد يونيو 28, 2015 7:45 am

شعيب حليفي بين السرد والنقد


نظمت الرابطة الفرنسية بمدينة أسفي يومه الجمعة ثاني مايو 2014 ، لقاءً مع الكاتب شعيب حليفي حضره عدد كبير من الأدباء الروائيين والنقاد والشعراء والمتتبعين للشأن الثقافي المغربي والعربي ، كما حضر اللقاء الشاعر والناشر اليمني هاني الصلوي .

افتتح اللقاء الأستاذ عبد الرحمان شكيب متحدثا عن السياق النقدي المغربي والعربي ،الذي أصبح يطرح سؤال الأجناس الأدبية في ظل المتغيرات المجتمعية ومدى مساهمة الكتابة الإبداعية ومواكبتها من طرف النقد ، في رصد هذه التبدلات الجديدة التي أصبح يتسم بها الراهن الثقافي بكل تجلياته . وضمن هذه الشروط ربط شكيب هذه المتغيرات السوسيوثقافية بمحاولة تعميق الوعي النقدي في علاقته بجنس الرحلة الأدبي منطلقا مما راكمه الكاتب شعيب حليفي في هذا الصدد ، سواء ما تعلق بالسرود في الرواية والرحلة أو ما ارتبط ببنائه لتصور خاص عبر مباحث نقدية أسعفته على مقاربة العديد من الأعمال السردية ، منطلقا من اعتبار المخزون التراثي مدخلا حقيقيا لاقتحام عوالم موسومة بعلامات تفتح الأفق على الذاكرة العربية في مجالات التخييل .

أما الناقد عبد الرزاق المصباحي فقد تدخل بموضوع : ( كتاب الأيام : مركزية التخييل في محكي السفر) تطرق فيه إلى أن هذا الكتاب ليس مجرد نص رحلي يروم، ضمن قصدية مسبقة، تسجيل انطباعات شخصية عن أفضية قادته انشغالات أكاديمية إليها، أو ضرب من استكشاف جغرافي بخلفية إناسية على شاكلة الرحالة القديم؛ إنما هو سفر يخترق مسارب غير مطروقة صوب الخيال، نحو الروح . كما وقف الناقد المصباحي على تساؤل حليفي في مقدمة الكتاب (عمن أكون خلف هذا النص ..وقبله من أكون في تلك الرحلات) (ص 7)، وهي ماهية يتسرب إليها، يقينا، التخييل النّفّاذ، بكامل حركيته، وروحه الوثابة، والقلقة، التي تفتأ غير مستقرة، وغير معنية بإشراطات المرجعيّ، أو سلطة الفضاء. يرى الناقد أن المرجعي يتجسد في الأفضية المعروفة، التي زارها الكاتب: تريبولي، والقاهرة، والشام وقرطاج، والمملكة العربية السعودية، بشوارعها وحاراتها، وفنادقها، التي أقام بها، والمقاهي التي جلس فيها، فضلا عن التواريخ الدقيقة بالأيام، والشهر، والسنة، وأسماء المرافقين من الوفد المغربي، المنبثة في الهوامش على يسار كل ورقة من أوراق الأفضية الخمسة، وأسماء المرافقين والأصدقاء من الكتاب من أقطار عربية مختلفة، وسياق الندوة أو المهرجان أو الأيام الدراسية، التي دعي إليها. ناهينا عن الفضائين المركزيين اللذين تنطلق منها الرحلات ( الشاوية، ثم كازابلانكا ) .يتمثل التخييل الخالص في رأي الناقد في الحكايات، التي رويت لشعيب حليفي، كما هو شأن حكاية القاتل والعابد والمذنب، وهي حكاية شعبية مغاربية معروفة؛ لكن شعيب حليفي الذي يسكنه التخييل، سيفكر أنه لو أراد إعادة كتابة هذه الحكاية، فسيجعلها ضمن برنامج سردي مغاير، بمقدمة يعرف فيها الشخوص ( ذوات الحالة وصفاتها) قبل اختيار نهاية منطقية (الجزاء) وإن أهم ما يثير في الخطاب الميتا- السردي إشراك القارئ في تفاصيل التخطيط للكتابة، إشراكه حتى في ما يفكر فيه الكاتب وهو ينسج حبكة عمله التخيلي.

تابع الناقد في مداخلته أن حليفي أعلن في هذا السياق، تذمره من كتابة هذه الرواية القصيرة التي تلح عليه وقت الفجر، مفكرا في تمزيق أوراقها جميعا خاصة بعد استشعاره أن شخوص الجزء الثاني تخرج عن سلطته بعكس آبائهم، قبل أن يعدل عن الفكرة، ويترك للسرد حرية الامتداد، منسجمة مع الوضعيات البدئية المنطلق منها. وهكذا ختم الناقد عبدالرزاق المصباحي المداخلة بالجانب الجواني الروحي ؛فالروح ضمن هذه الرحْلات، تحقق، عبر التخييل، بغيتها في التحليق الحر. وفي الانفلات من قيوده. وسيّان تعلق الأمر باستحضار بهيّ لتلك الحالّ العشقية الهادرة التي أرّقت الشاعر المصري كامل الشناوي تجاه نجاة الصغيرة، وكانت سببا في هلاكه بعد ذلك، والتي وثقتها قصيدته المكلومة (لا تكذبي) التي غنتها إضافة إلى عبدَالحليم حافظ، ومحمد عبدالوهاب.

أما الناقد إبراهيم الكراوي فقد استحضر التجربة النقدية بالمغرب مذكرا ببعض أعلامها وكيفية وطرائق اشتغالهم المختلفة، ليتوقف عند شعيب حليفي الذي شكل اتجاها خاصا ساهم في إعادة صياغة الأسئلة الخاصة بحقل السرد .

الأسئلة الخاصة بحقل السرديات وما يرتبط به من قضايا وإشكالات انبجست من الممارسة النقدية العربية والواقع والمجتمع العربيين، وقد ساهم شعيب حليفي - يؤكد الكراوي - بشكل واضح في الحركة الثقافية العربية أو ما أسماه ب’الثورة الثقافية العربية الثانية‘’التي دشنها رواد مجلة شعر ومواقف .)وبعد ذلك مجلة الكرمل(ومعلوم أن مفهوم الكتابة الجديدة ظهر أساسا في العالم العربي ،مع ظهور المجلتين وقد واكبتا كما هو معلوم الحوار الثقافي والأسئلة الجديدة التي همت الكتابة عموما ومختلف ما يرتبط بها من قضايا تهم تجديد الوعي العربي من خلال الفعل الثقافي والمعرفي، أما محليا أي في المغرب وبعد مجلة أنفاس استكمل جماعة من المثقفين مشروع الرسالة الثقافية التي تروم مواكبة تحديات المجتمع العربي المعاصر... فقدكان النضال الثقافي الذي قاده حليفي إلى جانب مجموعة من المثقفين والمفكرين المغاربة، موسوما بطابع الاستمرارية والانسجام التام مع التصور والممارسة النظرية النقدية ،فأسس مختبرالسرديات وما تلاه من أعمال أكاديمية وثقافية .

انتقل بعد ذلك المتدخل، إلى تناول شعيب حلفي لقضية العجائبي في السرديات العربية)يقصد هنا المحكيات السردية وليس الاتجاه النقدي(وأيضا موضوع مبحث نقدي مستقل هو تحت عنوان‘’شعرية الرواية الفانتستيكية’’وهو مبحث نقدي يعكس نظرية في المحكي الفانتستيكي من خلال استثمار منجزات الشعرية والالتزام بمبادئ المنهج واستراتيجياته بغية الوصول إلى نتائج.. وأعتقد أن دراسة الفانتستيك والعجائبي في ضوء الشعرية أفضى بالباحث إلى استخلاص نتائج مهمة على مستوى البنيات الخطابية في النص الروائي والمسافة بين التخييل كمكون جمالي و نصي و الفانتستيك و العجائبي .

ويختم الباحث بالقيمة العلمية للمباحث النقدية لشعيب حليفي والتي تتجلى أساسا من خلال الجوانب التالية : 1 - في الموضوع وهو الرحلة باعتبار الموقع المميز لهذا الجنس 2- تمثيلية المتن ،و هو ما يكشف أن هاجس شعيب حليفي الباحث يتقاطع مع انشغالات الناقد الذي ينخرط في الكشف و تقديم المتن الإبداعي العربي للنص الرحلي.. 3 - إن اختيار الموضوع حسبما نستشفه من قراءة مؤلف الرحلة)نفس الشيء ينطبق على مؤلف شعرية الرواية الفانتاستيكية(نابع أيضا من كون جنس الرحلة يحمل رؤية الرحالة للعالم ومواقفه من الآخر،وثقافته.

بعد ذلك تناول شعيب حليفي الكلمة مستعرضا مجموعة من النقط من بينها ان الكاتب يكتب ليجيب على أسئلة نابعة من الذات : الكتابة التي تسعف على التحرر من ثقل اللحظات الحارقة التي تؤرق الكاتب .. يكتب الكاتب محيطه بكل التفاصيل في إطار من التفاعل والاشتغال الواعي ، ولما يستنفد شروط المحيط يكون هو بدوره قد غادر الكتابة
avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

رد: شعيب حليفي..."يجب أن ندافع عن ثقافتنا وهويتنا من السياسة الثقافية"

مُساهمة من طرف رياضي في الأحد يونيو 28, 2015 7:52 am


شعيب حليفي في نصه الادبي.. لا احد يستطيع القفز فوق ظله!
موقع فرفش › ادب ثقافة وعلم › ادب وشعر
راسلونا: news@farfesh.com

بحضور عدد من النقاد والأدباء وأصدقاء الكاتب المغربي شعيب حليفي، افتتح عبدالحق نجاح عن نادي القلم المغربي ندوة "السرد والمِرآة في أدب شعيب حليفي" من خلال نصه الأدبي "لا أحد يستطيع القفز فوق ظله" قائلا بأن هذا اللقاء مع شعيب حليفي يأتي لعدة اعتبارات منها ما يُمثله الكاتب بالنسبة للثقافة المغربية من خلال نقده الأدبي الموسوم بالجدية والعمق وإبداعه الروائي المتميز بالتجديد والمغامرة ثم حضوره مثقفا فاعلا، سواء بصفته باحثا جامعيا ومؤطرا أكاديميا في مختبر السرديات، أو فاعلا في عدد من الجمعيات وخصوصا المرصد المغربي للثقافة.
النص الادبي لشعيب حليفي!
المداخلة الأولى كانت لشهلا العجيلي "روائية وناقدة من سوريا" بعنوان "لا أحد يستطيع القفز فوق ظله: مفردات مؤلمة بمنقاش من أثير"، والتي قرأها بالنيابة سالم الفائدة، تناولت فيها بعد التمهيد خمسة عناوين سعت من خلالها إلى مناقشة النص، قائلة بأن العلاقة مع الذاكرة تتخذ وجهاً آخر في الإبداع، حينما تتحول من علاقة خفيّة إلى معلنة، تتجلّى في سيرة ذاتيّة روائيّة، أو في رواية سيرة ذاتيّة، تذوب الحدود بينهما.

وأضافت بأن شعيب حليفي رسم دروباً محدّدة، لما له من تاريخ وعلاقات وشخصيّات، وأوحى للمتلقّي أن يسير فيها، فكان أبعد ما يكون عن كاتب يوميّات، فالمتلقي عنده حاضر، غير مغّيّب، لذا فهو يكتب وينشر، لأنّ لديه قولاً ما، ويُنتظر منه أن يقوله. ذلك أنّ قضيّة الكتابة، بالصورة التي تجلّت في هذا النصّ، تستدعي درجة عالية من الوعي والإرادة، تختلف عنها في أنواع السرد الأخرى.




كما أكدت الباحثة بأن الكاتب يبدو قادماً من ملحمة إغريقيّة، معجباً بعالمه المفعم بالجمال، منسجماً مع يوميّاته، ولا تختلف مهمّته عن مهمّة هكتور، أو آخيل، في الدفاع عن ذلك الجمال وهذا الانسجام ضدّ أيّ اعتداء خارجيّ، بسبب من حبّ موصول بنزعة صوفيّة فطريّة فتتشكّل لديه الهويّة أثناء التعبير عن مراحل الوعي الجماليّ تلك، وأثناء مراحل الدفاع عنه.

وتختم شهلا العجيلي ورقتها بأن شعيب حليفي لا يستحضر شخصيّاته لأنّه بحاجة إليها ليبني خياله، بل لأنّه بحاجة إلى أن يعبّر لها عن حبّه، أو إعجابه، أو عن مقته، أو احتقاره، وذلك بدءاً من صالح الورّاقي وعصبته التي يكوّن "مويليد" زاويتها، إلى الشموس الثقافيّة التي عمّ نورها المشرق والمغرب.
أما الناقد التونسي رضا بن صالح فقد اختار الحديث عن نص "لا أحد يستطيع القفز فوق ظله" من زاوية "بلاغة التخييل الذاتي"، والتي قدمها بالنيابة عنه الباحث "ناصر ليديم"، متسائلا منذ البداية عن تجنيس النص هل هو تخييل روائي دفعه التجريب إلى استنطاق المرجع واستثمار حقائقية الذات في عمل إبداعي ينبو عادة عن المرجع، وإنْ دلَّ عليه، وينفر من الحقائقي؟

ويضيف الباحث بأننا لم نستطع، انطلاقا من العتبات، أن نحدد على وجه الدقة جنسه ومُنْتَسَبَه، ضبطا علميا لآليات الكتابة الروائية ورسما لتخوم الإبداع الذي يأبى التحديد والترسيم. والمؤلف ـ حسب الناقد ـ لم يكتف بتعدد العتبات إنما مال إلى ثنايا النص يخلخل السائد في بناه الحكائية، فهو يضمخ النص بحكايا الآخرين، وبذلك تغدو هوية الكاتب غير مفصولة عن هويات الآخرين، ويغدو الكاتب رسولا همه حمل أحلام الآخرين الذين يحبهم ولا يستطيع أن يؤسس وجوده بمعزل عنهم، وتغدو الكتابة عنده جزءا من الحياة ودفاعا عما يمنحها مشروعيتها.

وفي الختام يرى الناقد أن رواية "لا أحد يستطيع القفز فوق ظله"، من الروايات التي تستحق أن يضعها الإنسان إلى جوار روايات أخرى، يعيد قراءتها كلما اشتدت وطأة الحياة عليه وضاقت به السبل وتنكر له الأصدقاء، فالقارئ لا يسعه إلا أن يقرأ الرواية بالكثير من الحب لأنه يشعر بأنها حكايته أو قل حكاية جيل بأكمله.
avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

رد: شعيب حليفي..."يجب أن ندافع عن ثقافتنا وهويتنا من السياسة الثقافية"

مُساهمة من طرف رياضي في الأحد يونيو 28, 2015 8:12 am

فبراير المغربي
شعيب حليفي نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 20 - 02 - 2015

للتواريخ سحرها الماكر،وشهر فبراير شهر المفاجآت والتحول..فهو أقل الشهور عددا وأثقلهم أحداثا .وقد جاءت حركة 20 فبراير المغربية إثر حراك عربي وتحول في البنيات الاجتماعية مما خلق شروطا للانعتاق ، غير أن التجربة المغربية ، في اعتقادي تختلف عن تجارب الربيع العربي ، وهو ما لم يفطن له عدد من الباحثين الغربيين والأمريكيين في مقاربتهم للظاهرة في المغرب العربي وتعميم بعض الأحكام. ذلك أن المغرب عرب أكثر من ربيع في مراحل أقوى وأشرس، سواء على مستوى التنظير كما رسّخه الشهيد المهدي بنبركة في انتفاضة 1959 آو الاختيار الثوري أو في مارس 1965 ، ثم لاحقا في يونيو 1981 وما تلاها من زمن صعب في نفس العقد أو في التسعينيات.
إن انتفاضات ما قبل 20 فبراير 2011 كانت مؤطرة فكريا وايديولوجيا ضمن تنظيمات سياسية واختيارات تمثلها رموز ذات كاريزمة وخبرة ، استطاعت أن تؤثر وتُسمِّدَ الأرض المغربية بوَعيين ، وعي واقعي ظاهر ، ووعي سري وجميل يختزن تلك الأحلام التي استُشهدَ من أجلها الآلاف .
وأعتقد أولا ، في تحليلي وقراءتي ، أن حركة 20 فبراير هي نتيجة ذلك السماد الثوري والنضالي الذي تراكم . ربما لأن الاختيارات المُلزمة للأحزاب والمنظمات ضمن تعاقدات وتوافقات سياسية واجتماعية ، لا تترك لها هامش التفكير بشكل ‹› حركي ‹› وثوري» مفتوح على احتمالات متغيرة ومرتبطة بآفاق عربية ودولية . من ثمة كانت 20 فبراير متنفسا وملاذا وحلما بألوان وطبقات، فيه الطموح النبيل والدنو من الوجدان، فيه العقل والفكر والغد، وكذلك فيه الكابوس والعجز .
وأعتقدُ ثانيا ،في تقديري ، أن بُعد حركة 20 فبراير ، كان ثقافيا وتعبيريا لذلك لم تُفرز قائدا أو تصورا أو مشروعا ، وإنما استعادت الإرث النضالي وحملته بجرأة ومحبّة وطالبت بمطالب سياسية واجتماعية ، ثم تحقق ما تحقق وضاع ما ضاع ... ولربما لو جاز لي التشبيه ، فهي ابتدأت مثل قصيدة شعرية ملحمية وانتهت رواية لا بد من تأويلات عديدة لفهم تفاصليها .
ملاحظة :
في 20 فبراير2010 ، سنة قبل انطلاق حركة 20 فبراير 2011 ، اجتمع عدد من المثقفين بالدار البيضاء ، بعد مشاورات مع أدباء وفاعلين من مدن أخرى ، فأطلقنا حركة المراصدة المسماة «المرصد المغربي للثقافة» والذي كان انتفاضة على السياسة الثقافية ، فحققنا ما حققنا. وربما هناك تشابه بين الحركتين ، فالشرط التاريخي والسماد النضالي والرغبة في كتابة نص بالفعل لا بالكلمات .
.............................
أيام فبراير في سطات
شعيب حليفي نشر في بوابة إقليم الفقيه بن صالح يوم 15 - 02 - 2015

القاضي بوعشرين والتاجر بركاش وحكاية مدرسة مولاي أحمد
إلى المختار الغازي وأبو بكر الشرايبي وعبد الوهاب بنعزوز
وكل أصدقائي بمدرسة القشلة /ابن تاشفين بسطات
الكلمات المفاتيح : الزمن – الشمس – الغروب – فبراير – الغزاة – المدرسة – السلطان – القاضي – التاجر – الليل – سطات – شجرة الفلفل الأسود
في التفاصيل ، تعود الحياة إلى خيال التاريخ .وما قيل مُشافهة يتحولُ إلى حقائقُ تُدبِّرُ الظنون الكثيرة التي أثقلت زمن مملكة صغيرة مثل سطات ، تناثرت أيامها بين الوادي بمياهه الممهورة بالهروب، وبين شجر التوت ورائحته، وظلال الأشباح خلف شجرات الفلفل الأسود البري المحترقة .
في التفاصيل ، الزمن هو المساحة الأرحب لكل الأفراح والأحزان ، لكل الأكاذيب التي تتلاشى ، وما تبقى منها يتحوّلُ إلى حقائق لا بدائل لها . أما الخيال .. ورغمَ ما يعتريه من نقصان ، فهو الوحيد الذي يعبثُ بجبروت الزمن .
أما المولعون بالتقاط أوهام الزمن ، الماقتون للامتداد الحر ، من محدودي الخيال .. الذين شرّعوا لتأطير الزمن في حلقات تكرار ونظام أسموه تقويما ، واختاروا ربط الشهور بالحُكام والأحداث والطبيعة . بل قرروا وِفقَ ما رآه الفلاسفة والفلكيون والمُنجمّون – بإيحاءٍ من محدودي الخيال دائما - الاحتكام إلى الشمس التي لا يتخيل أحد أنها متوقفة عن الدوران، فجعلوا هذا الشهر في الصف الثاني ضمن سلسلة من اثني عشر شهرا كان يمكن أن تكون بدايتها من أي نقطة ، أو متحولة كما هو الحال مع التقويم الهجري. مثلما جعلوه الأقل أياما وسط دورة الأمطار يحكمه الشروق والغروب ، فهو يبدأ عندما تكون الشمس في برج الجدي وينتهي مع الدلو في توقعات المنجمين ؛ أما الفلكيون فمُبتدؤه مع الشمس في الدلو ونهايته ببرج الحوت .
وقبل حوالي سبعمائة سنة قبل الميلاد ،قام رومولوس خليفة الملك الروماني بإضافة شهرين للسنة بعدما كانت بعشرة أشهر فقط ، وسمّوه فبراير على اسم إله النقاء والتطهر ، ففيه يتطهرون من ذنوبهم كما تتطهر الأرض بالأمطار الغزيرة .أما السريانيون فعندهم شباط التي تعني الهبوب الشديد للرياح أو كل شيء عنيف يضربُ ويجلد.
قبل سبعين عاما ، وفي السابع عشر من يبراير القصير الذي يحمل الأحداث الكبيرة على أكتافه العارية، كانت المدينة مركزا حضريا صغيرا تُحوِّطه الحقول والدواوير والنوايل ، إنه قلب القبائل وجسر العابرين ، في لحظة اشتعلت فيها الحرب العالمية الثانية وتحول جنود الشاوية إلى حطب في تلك النهاية الوشيكة ، ومن نجا في ما بعد ، كانت أخباره في فبراير منقطعة ، بل تحوّل هذا الشهر إلى مأدبة عشاء جنائزي لكل الشهداء . ورغم ذلك،لم يكن أمام الزمن إلا مواصلة خطواته الجبّارة .
من قبل..
عرفَت مدينة سطات في فبراير 1908 أحداثا دموية تحدث عنها الشعراء والرواة وبقليل من الخيال وكثير من الألم والحرقة ، فقد قرر الجنرال الفرنسي داماد ، وهو يمهدُ للاحتلال الفرنسي عبر بوابة الشاوية من ثغرها الشمالي – البحري الدار البيضاء، أن يَدُكّ الأرض على المجاهدين الذين رفضوا الاستسلام وقبول دخول الأجنبي عالمهم المغلق . فنهضوا ناثرين الغبار والحجار بعدما كانوا راضين بزمنهم المثخن حروبا وهجرات ، وبالجفاف والأمطار كما بالورع والبحث عن أقصر السبل للولاية . معارك هي استمرار لشهور سابقة من الكر والفر ، وبعد مذابح يناير سيتوج المجاهدون سفرهم القدري بمعركة فخفاخة قبل أن يفتح التاريخ صفحة أخرى تتحول إلى تلمود بلا وعود.
حينما دخل الغزاة الفرنسيون بأوهام البحث عن جنة البورغواطيين الضائعة ، وكان شهر يناير من العام السابع غارقا في الأمطار التي اعتقدها الزطاطيون طوفانا جديدا سيقوم على إثره بويا الغليمي بركوب سفينة أخرى نحو القدر ذاته الذي بحث عنه الأنبياء .كانت زمنا اختلطت فيه فصول/ سعود الشولة، النعايم، الذابح، البولع، السعود، والخبية .. فهاجت الدماء وتوقفت الطيور والإنس عن التزاوج والأشجار عن اللقاح وسقط الدلو ونفق الحوت والثور وأظلمت الثريا وشعر الدبران بعجز تام .حينها لم يجدوا في تلك المدينة القابعة قرب أسوار القصبة الإسماعيلية وضريح الولي ونوايل تهزها الرياح والأمطار لتُطوح بقصبها وتِبنها ، ولم تترك إلا شخصا مجنونا ، حافيا ، اسمه حمّو . أخذوا له ومعه صورة للذكرى والتقرير، قبل أن تفاجئهم سنابك خيول القبائل وهي تُكبّرُ ، فلم يدرِ الجنرال هل هاجموهم دفاعا عن المدينة أم عن حمّو المجنون .. وربما فكرَ في احتمال ثالث ، لم يُسعفه الزمن لبسط كل فرضياته .
من بعد ..
لم تخْلُ ، مملكة سطات الصغيرة من مفاجآت تشُقُّ أرحام الذهول ، وهي المرمية في الطريق بين البحر وأبواب الصحراء، مثل كفّيْ عابد أو ساحر ، مرفوعتان إلى الأبد ، ونحن على كفيه ننمو ونلهو ثم نموت ونصبح ترابا طاهرا.
لم تخلُ المدينة ، أبدا ، من أوليائها حُرّاس أحلامها وكبريائها الجريح وخفقة قلبها التي تهز أكباد العباد .
أحياء مدينة سطات المتلصقة بعضها ببعض (مثل سفينة من شجر الاكوالوريا، أضاعها مُحاربو آخر سلاطين بورغواطة في حروبهم ضد الإبادة ) تتحول ليلا إلى ممالك صغرى يحكمها الدين والدنيا ، أصوات الأبرار وهم يتلون الآيات الطويلة والقصيرة في خشوع وفخر ، مرة، وفي شهيق أقرب إلى الرثاء ،مرة أخرى، مستمرين بلا كلل، حتى ينجلي الظلام وينهض الفجر من بُرجه الدافئ، وبالقرب منهم أصوات من يُقلبون في صفحات الأنس.. يحفرون بأصواتهم وأظافرهم عن نور ذائب يضيئون به الظلمات .. ناهيك عن فئات أخرى بانشغالات يومية لا حصر لها
ليلا تكون مداخل سطات مفتوحة على الرياح ، من جهة الشمال البارد مدخل أولا ايدر ، والبروج جنوبا وأولاد سعيد ، باب دكالة غربا والسكوريين وامزاب شرقا .. أما الأحياء فهي حية في البطوار القديم وحي الشيخ والقراقرة والسماعلة وسيدي بوعبيد وميمونة والعروسيين ...
كانت الكتاتيب القرآنية منتشرة في الجوامع ، يتعلم فيها الأطفال القراءة والكتابة . وربما كانت هناك مدرسة وحيدة ، اسمها النجاح يسيرها فقيه اسمه الحبيب،بمواصفات حديثة إلى جانب المدرسة الأوربية الفرنسية .. ولم تخلُ المدينة الصغيرة من علماء وقضاة ومتصوفة وشعراء ومجاهدين يحلمون لحظة بلحظة ، كما لم تخْلُ من بيوتات زوايا ، من أهمها زاوية الحاج العربي وزوايا التيجانية والبوعزاوية والقادرية والناصرية والكتانية .. مثلما كان الشاعر عبد الكريم سكيرج والعالم القاضي أحمد سكيرج ثم القاضي بوعشرين ورجالات غيرهم يبحثون عن منفذ للعالم الجديد في مدينة تنمو وتحيا كأي كائن . فقد دخلها أهل فاس وسوس والصحراء.. كما كانت منذ أربعة قرون خلت، ملاذا آمنا للهجرة من كل جهات البلاد ، استوطنوها لتربية كراماتهم وأحلامهم .
دخل أهل فاس وسوس بكثرة خلال عاميْ 1909 و1910 وما تلاها من سنوات ، فاستقروا بحضارتهم وثقافتهم وفنونهم ومشاريعهم التجارية والاقتصادية ، إلى جانب العروسيين بكل فروعهم وباقي القبائل والعائلات ، فضلا عن جالية يهودية مغربية تحتمي بالملاح .
حكاية فكرة
تنمو المدينة ببطء كما تنمو أشجار التوت والفلفل الأسود والأفكار البيضاء . هكذا انبثقت فكرة بناء مدرسة حديثة بمواصفات جديدة ، كانت مدرسة النجاح قبلها مشروعا أسقطته شهوة الهدم والإشاعة.
كم هي جميلة تلك الحياة بلا ضجيج أو صخب قاتل ؛ فقط عويل الأمهات بالكورس القديم ، وهن يندبن أولادهن المحمولين من طرف الحلفاء إلى الحرب العالمية الثانية ، كرها ، أو رغبة في البحث عن موت غريب ، فقط هسيس الليالي المتوثبة في النوايل بين أدخنة الشواء وظلمة حمّو وباخوس ، مثل شُهُب صهباء مرة ، وقانية مرات، تطلعُ تلك الأصوات العالية التي تزف الطرب الشعبي بلا آلات أو أجواق .
كم هي جميلة هذه الحياة حينما يترعرع الصراع بين فريقين من مثقفي السياسة آنذاك وسط كل تلك الأدخنة والأصوات ، وسط أسجاع السحرة وأناشيد المجاذيب وأنين الفجر والغروب. مملكة صغيرة تحرسها الملائكة والشياطين .. أهلها يختلفون بالنهار ، ومع آذان الغروب ينبذون كل شيء ليجتمع نفر منهم يبحث عن الحياة ، هازمة الخيال والليال، ومع بداية السهرات تطلع الروح عند باريها ثم تعود طاهرة مطهرة لا يغشاها الباطل ؛ أما الفريق الآخر من الأتقياء الأبرار الباحثين عن حياة تنتصرُ لتاريخ رسمي محبوك ،يتأبطون خشوعا أصيلا نحو الجامع العتيق حيث يقعدون لصلاة المغرب والعشاء، وبينهما يستمعون للقاضي بوعشرين في خُطبه الدينية والأدبية .
كان جالسا على كرسي خشبي بجلبابه الخفيف وسلهام أبيض مع طربوش أحمر ، حينما يلتف حوله الجميع في صفوف تراتبية ، فيحدثهم حديثا بليغا وهو يُدرك أنه جالس في زاوية قائمة بين ضريحين لعالمين كبيرين ، بوعبيد والغليمي رضي الله عنهما.
ما زال الزمن بطيئا ودافئا رغم الأمطار التي لم تشبع بعد ،وما زال نواح النائحات من الأمهات والحبيبات صاعدا يرثي الحياة والموت . في تلك اللحظات خرج من السجن ثوار من رجالات المدينة استشاروا العلماء والفقهاء ثم قرروا جمع المال لبناء مدرسة حديثة خلف سيدي بوعبيد بحي القراقرة ، فشرعوا في تلقي المساهمات من أهالي المزامزة ومن عائلات فاسية وسوسية ومن البوعزاويين والفلاحين البسطاء والتجار والحرفيين ؛ كما كان لعائلات أخرى دور في هذا المشروع ، عائلة بودراع وأولاد المعلم محمد .
مع انطلاق فكرة بناء المدرسة ، شرع القاضي بوعشرين يحثُّ في خطبه بالجامع الكبير على المساهمة من المال الخاص ومال الزكاة ، وهو اجتهاد منه في فعل الخير الذي سيعم على الجميع.
زيارة ليلية
كان التاجر الحاج بركاش رجلا يحب الدنيا ، كما يحب العمل للآخرة ،فهو في محله التجاري يبيع الشاي والسكر ويجالس أعيان المدينة وكذلك علماءها وقضاتها. وهو الرجل الورع والشجاع أيضا.. فقد سمع القاضي بوعشرين يدعو الناس المساهمة بمال الزكاة ، فجادله وقال له باحترام بأنه خرج عن الشروط الثمانية للزكاة.
عاد التاجر بركاش مهموما لا يعرف هل كان مصيبا أم مخطئا وهو يقف للقاضي العالم ، وهكذا بقي مُشوش البال ..يصلي ثم ينسحب إلى بيته متفكرا. وفي أقل من أسبوع ، وبعد صلاة العشاء خرج من بيته غير متردد عابرا أزقة المملكة الصغيرة وسط ظلام يسير بنفس خطى الزمن لحظتئذ إلى أن بلغ حي السماعلة، فطرق بيت القاضي بوعشرين وخرجت الخادم وجرى الحوار التالي :
- تفضل، سيدي الحاج بركاش ( قالت له، وبصرها في الأرض، بعدما سألها عن القاضي).
- قولي لسيد القاضي إنني أريده (رافضا الدخول على عكس زياراته سابقا).
خرج القاضي بوعشرين مُلحا في دخول صديقه الذي بدا مترددا وخجولا.
- أريد الاعتذار لك . فأنت اجتهدتَ وأصبتَ. ( قال التاجر بركاش ).
- لا عليك يا صاحبي .. اجتهادي في الخير . والمدرسة باب العلم .
كلمة التاريخ
في السابع عشر من فبراير 1945 ، وكان يوم سبت ، سيصل في الساعة الحادية عشرة صباحا السلطان محمد الخامس على القطار الملكي محطة سطات قادما من الرباط ،في زيارة رسمية لتدشين مدرسة مولاي عبد الله والتي ستحمل في ما بعد وإلا الآن اسم مدرسة مولاي أحمد على اسم مديرها الأول مولاي أحمد أديب البهلولي .
في المساء ، ركب السلطان القطار وتوجه التاجر الحاج بركاش إلى منزله لأخذ قسط وافر من الراحة بعد يوم لن ينساه .
في اليوم الموالي صباحا ،وصل التاجر محله ، سلم المفتاح الكبير لواحد من عُمّاله ، فيما توجه عامل آخر إلى الرش والتشطيب أمام المحل . وقد كان متعوِّدا الولوج مباشرة إلى كرسيه في انتظار براد الشاي ، لكنه في هذا الصباح بقي أمام الباب شاردا ينظر إلى أولائك الأطفال الفرحين وهو يتوجهون برفقة أمهاتهم نحو المدرس ، أطفال بجلاليب قصيرة وفتيات كأنهن الثريا في مملكة الله الخالدة .

.........................

بويا
شعيب حليفي نشر في بيان اليوم يوم 26 - 12 - 2014

رُفِعت الأقلام وجفَّتِ الصحف التي كتبتُ عليها أحلامي وأحلام كل سُلالتي الممتدة منذ مازغ الأول، مؤسس تامزغا وتامسنا، إلى نفسي المتبخرة ضيما وحزنا.
اللهم تبِّث عزيمتي وصبري وارفعْ عني الحَزَن حتى أرى بصفاءٍ الآتي الذي هو في علمكَ وحدك.
الإحساسُ شُعورٌ خاصٌ لا يهُمُّ سوى صاحبه.
الآن أدركَ أنه يملكُ أحاسيسه الساخنة بمذاقاتها التي لا تكرر نفسها.
لم يكنْ، أبدا، يَعْنيهِ أن يكتبَ لأحدٍ بعينه. بل، ودائما، يكتبُ لجهة كاملة خرجتْ منها روحه وإليها ستعود.
الإحساس والذاكرة والرّوح: أنفاقٌ تقودُ إلى دلالة رمزية في حياته، تُخفي أكثر مما تبوح.
كانت الحياة بالنسبة إليه من ثلاثة عناصر متداخلة: المطر والتراب وبويا .
الآن وقد انتقلَ بويا من الأرض إلى السماء، فقَدَتْ حياته أهمَّ ركيزة من ركائزها؛ فماذا بعدُ؟
خَفَتَ شوقه الهادر، وصارت روحه هباءً مستسلما لمُراودات الأحلام.
الساعة الثالثة صباحا
يومٌ موحش. بل هي أيام ماهدة لهذا اليوم الذي لا مفرَّ منه، سيعرفُ منذ فجره الظالم نهاية حياة كاملة؛ وحينما سيمضي اليوم.. في غروبه الثقيل، وبالتحديد ما بين الغروب والهبوط الآثم للظلام، كان هنالكَ ضوء يترنّحُ مثل الروح، يتوق لإبقاء النهار مديدا في الزمان؛ ضوء رصاصيُ اللون بمذاق الفراق والوحشة.
قدرُ الإنسان أن يعيشَ بالذاكرة ، خزَّانُ كل شئ .وكلما امتلأنا نجدُ فُرصًا كثيرة لنحيَا بما تختزنُه ؛ وبمفاتيحها نُفسرَ ما لا نجدُ له سبيلا .
تعودُ ذاكرتي إلى خيالنا الجمعي، فأرى صورا سريعة، بالأبيض والأسود، لمدينةِ سطات وهي ما تزال حقلا شاسعا تتوسطه القصبة الإسماعيلية وبجوارها ضريحُ أحد كبار فقهاء وأولياء المنطقة، سيدي الغليمي، وما عداه عيون ونوايل وزرائب وعراصي وسوق أسبوعي، وشتات تواريخ منسية لدواوير تولد وتموت.
خلف القصبة بأمتار معدودة، يمرُّ وادي بوموسى، القادم مثل ثعلب شارد من سهول أولاد سي بنداود وربما أبعد. وخلفه بقليل، توجد قبة وليّ آخر، سيدي بوعبيد، ممن جعلوا سطات أرضا مُباركة تُطلِعُ النار من جوّان الماء، ويجلسُ فيها الملاك إلى جوار الشيطان.
أمَّا هناكَ، في تلك الكُدية العالية، حيث استقرَّ رجالُ أولاد عروس الملثمون القادمون من الصحراء، توجد مولاتنا لالة ميمونة، الحاملة لأثقال الشفق في صدرها العاري، راقدة في انتظار ساعة نهوضها لترى كل شيء!
هنا وهناك، في نُقط هندسية معلومة، تقفُ قِببٌ أخرى في اتجاهات مختلفة: سيدي بوعبيد، سيدي عبد الكريم، سيدي مخلوف، سيدي ارنون، لالة رحمة....
ومع مطلع كل فجر باكر جدا (وفجر الشاوية هو غروب متأخر تملّصَ من كفّ الليل الخرافي)، يخرجُ الدراويشُ، الفُقْرا، من النوايل بجلاليبهم المصنوعة من غيوم بعيدة (أشبه بأدخنة احتراق عَمْدي لحقول كِيفِ كتامة وشعير أولاد سليمان، وأكباد الفقهاء)، محمولة على أكتاف رياح أطلسية، في زهو تتهادى؛ يخرجون من النوايل، من كُدْيات العروسيين والسكوريين وأولاد ايدر، ليهبطوا مُتمايلين.. غرقى ككل أيامهم في غُبار نفس الشوق وصداه الذي لا يتوقف، وكلما وصلوا وادي بوموسى، بأيديهم يرفعونَ جلاليبهم حتى لا يصلها ماء الوادي، والذي يحسبُ نفسه النهر المعلوم وقد انشقَّ فاسحا لهم مريرة برية. هابطون من النزالة وميمونة أو صاعدون من البطوار القديم، متشوِّقون في سيرهم الحثيث للوصول إلى قبة بويا الغليمي، حارس الأنفاس المتحيرة، متعمدين جعل أكتافهم تَحْتَكُّ بالحائط قبل الولوج، وكأنها حركة مُقدسة في سِجِلِّ العُرف الأزلي.
في دخولهم، تكون عيونهم سادرة (بدلالتها التاريخية لا الصوفية) مُغْمَضة بنظرات مغشي عليها، تأبى النظر إلى بويا المُمَدّد، في ميتته منذ نهاية العقد السابع من القرن الثامن عشر، مُتخيلين أو حالمين أنه جالس في انتظارهم ليؤمهم إلى نهار جديد في حياة قديمة، يُلبسهم قفاطين الداريْن.
مع خروج الدراويش (الذين استعطفوا الله أن يحفظ أهل سطات والشاوية من كل الكوارث الظاهرة والخفية، ويأتيها بحكام وولاة في قلوبهم الكثير من العقل والرحمة) يُصادفون فلاحين يقودونَ بهائمهم الناعسة إلى السوق، وجزّارين يسرعون في مشيهم نحو الكُرنة؛ وبين هؤلاء وأولئك، يمرُّ محمد بن عبد السلام، شاب في الخامسة عشرة من عمره، طويل القامة بملامح رجولية. ورغم ذلك، لم ينسَ التفاتَتَهُ المعهودة إلى القبة ورميه السلام الطيب عليها.
(قبْلَه بسنين، مرَّ من نفس الطريق، وفي نفس الوقت تقريبا، عبد السلام بن خليفة، وقبله خليفة بن محمد.. وهكذا حتى يأتي دوري ودور أبنائي وحفدتي، نحمل نفس السلام بنفس الخشوع).
في هذه السن، قبله بسنة واحدة فقط، ورُفقة والده سي عبد السلام، وأخته فاطمة وزوجة الأب، هبطوا من أحد دواوير أولاد ايدر إلى «فيلاج سطات» للاستقرار، بعد مُغامرات جدِّنا عبد السلام في حروب قاتلة بقبائل احْمَر، خارج الشاوية ولسنوات طويلة.
يواصلُ محمد (ولد عبد السلام)، سيره مُستقيما.. وكلما رمى بخطواته الواثقة فرُّ الظلام مهرولا من أمامه فاسحا له بريقا جديدا.
صباح الخير آ بويا !! (أقول له وأنا- لحظتئذ - نُطفة في ملكوت الله، تنتظر ترتيبات القدر الآتي لكي أكون ابنه في الترتيب السادس من عشرة أخوة، اثنان – فتيحة وحسن - توفاهما الله في المهد، والثالث، سمير، أخذه الله وهو في العشرين من عمره).
من المتكلم؟ شكونْ؟
التفتَ محمد بن عبد السلام مُجيبا الصوت الموحَى به من فضاء القبة، متوقفا ثم مُواصلا سيره وقد خامرته بعض الريبة.
(عدتُ أقول له مناديا وأنا روح نطفة، بعيدٌ عنه بعقود في ملكوت الغيب) أنا يا والدي!! . أنا من سيكونُ ابنك في منتصف الستينيات من القرن العشرين، وأنتَ في أوج قوتك ومجدك... أنا شُعيب، الفتى الأسمر والطويل، الحامل لأقدار القبيلة في جبينه. أنا آبويا.. انتظرني.
مواصلا سيره، ومباشرةً عاودَ الالتفات بعدما بعُدَ عن القبة، مُتبسما وقد تهللت أساريرُ وجهه.
حقيقة أبدية
عاش بويا، محمد بن عبد السلام المزداد حوالي سنة 1914، زمنه كاملا كما يعيشه رجالات الشاوية في السلم والحرب. يستفيقُ يوميا، صيفا وشتاءً، في الثالثة صباحا، يُلاقي ربه في تلك اللحظات الساكنة، قبل أن يخوض حروب النهارات الطويلة، هي وقائع وأيام أثقل من أية حروف خفيفة تُدوِّن لحظاتها.
عاش منذ ولادته في أكثر من مسار إلى غاية الساعة الثالثة صباحا، بالضبط، من يوم الأربعاء سادس عشر فبراير ألفان وإحدى عشر هذه حقيقة أبدية.
***
وأنا في ضيعتنا، ذات سبت، في عشويةِ نهاية فصل الربيع بعمر لا يتجاوزُ إثنى عشر عاما، ممدد على ربوة عالية كأنها سجادة روحانية بكل الألوان. في ذلك الخلاء مُحاط بأغنام ترعى غير عابئة بما يدور في السماء أو في رأسي. وتَصادَفَ أنْ كان والدي، محمد بن عبد السلام، مُتغيبا عنا منذ ثلاثة أيام في مهمة من مهامه التي تفرضها مهنته كفلاح، وقد تعوَّدَ من حين لآخر السفر دون أن يُخبر أحدا.
وأنا مُمددٌ (كنت بالتأكيد، وأنا في تلك السن المبكرة، غير معنيّ بالغروب ودلالاته التي لا تفوتني اليوم)، وجهي إلى السماء بعينين مُغمضتين. أفكرُ مُرتعبا في ما إذا وقعَ لوالدي مكروه ولم يَعُدْ.. تصورتُ حياتي من دونه ضياعا مُطلقا، رُعبٌ جعلني أرتعشُ ثم أفتح عيني بسرعة طاردا مثل هذا التفكير من رأسي.
(أنهضُ مستعجلا لطردِ الفكرة من رأسي، تاركا الربوة بما فيها، قاصدا فرسي التي اشتراها لي والدي من سوق السبت. ارتميتُ فوقها كما تعوّدتُ، لكنني هذه المرة كنتُ خائفا مُرتعبا، فيمّمتُ وٍجهتي نحو الغروب المتدفق ببطء قدري، الآسر أيضا، وكأنني مُدرك – لا محالة – آخر جرعة من روحه الرخية والمتعبة والحزينة، في غرقها الدَّامي؛ كلانا يركض بطريقته في استعجال خُرافي: الزمان والمكان والفكرة ثم أنا وفرسي... لا سرج ولا لجام، وإنما هي لحظة تبللت، حتى ارتابت من عرقنا وكِلانا يُمنّي النفس بالوصول إلى آخر أبواب الغروب قبل الإغلاق فنغرق – معا- (بخوفي القديم وحزني الآن) وننسى، لنطلع في الفجر القادم مع رجوع بويا من سفره).
نفسُ الإحساس ظلَّ رابضا وساكنا بداخلي إلى جوار الطفل ذي الإثنى عشر عاما، والذي كانت واقعيته مدخلا سحريا إلى عوالم التخييل. إحساس حيٌّ لم يمت إلى أن واجهته أمامي صارخا يوم الأربعاء سادس عشر فبراير ألفان وإحدى عشر ميلادية، الموافق لعيد المولد النبوي، الثاني عشر من ربيع الأول ألف وأربعمائة واثني وثلاثين هجرية وسط ظلام ليس هناك أظلم منه.
ماتَ بويا، محمد بن عبد السلام، رضي الله عنه. ضاقت نفسي. دمعت عيناي مدرارا، ارتميتُ عليه أقبله وهو بارد لا يتحرك.
هل نسيَ أنه لسبع وتسعين عاما، كان شامخا فوق التراب، والآن حان موعده ليعودَ شامخا تحت التراب ويستريح. تراب الشاوية الذي ساحت دماء السلالة فوقه دفاعا، نأكل منه ونحيا ونمشي عليه حُفاة للإحساس بأننا ننمو مثل القمح والشعير ولمّا نموت، نُدفن عراة لنشعر بنفس الشعور.
لم يمرضْ طويلا.. أسبوع واحد فقط. وفي خيالي بقناعة أكيدة، بأنه سيُعمّرُ طويلا إلى المائة والعشرين عاما، باعتبار أن جدّي عبد السلام بن خليفة، قدّسَ الله روحه، تجاوز المائة وعشرة سنوات، كما كل أجدادي ما لم يخطفهم الاغتيال أو الأمراض الفتاكة.
أين ضاعت كل تلك السنوات الأخرى، وقد تركتَ فرسكَ مربوطا في السْمار؟
منذ حوالي سنة، شعرَ ببعض التّعب، فصرتُ أذهب إلى سطات مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع؛ ومن حين لآخر كان هو من يأتي إلينا بالدار البيضاء.
أقضي برفقته النهار كله لا أفارقه، كأني ظله المُريد، بالبيت والمقهى والضيعة، نتحدث في الماضي والحاضر والآتي؛ نفاوضُ ونخاصمُ ونضحك... نعيش في يوم واحد حياةً بألف عام.
أليس كذلك آبويا؟
الفارس يعتذر عن معاركه
يوم الجمعة الذي سبق يوم الأربعاء، قضيتُ اليوم بجواره بعدما تناولنا فطورنا، دعوته للخروج إلى المقهى ثم الضيعة– كما تعوّدنا من قبل – ؛ لكنه اعتذر، هذه المرة، كما لم يفعل من قبل، وبقيتُ إلى جواره بعدما قررت المكوث بجانبه وقطع هاتفي؛ سلمني بعض الوثائق وأوصاني على أمي وباقي أخوتي وعلى مريم، كما أوصاني بزوجتي وأولادي وأكد كثيرا على زينب... قبل أن يأخذ نَفَسًا ويغفو، ثم يقول لي وأنا صامت إلى جواره، يوصيني على الأرض التي هي أحبُّ إلينا من الدماء التي تجري في عروقي.
غالبتُ نفسي التي تكاد تهزمني، فتدمع عيناي وهو من علّمني أن الرجال لا يبكون.
إنه يُرتبُ معي حياتي من دونه، يُهيئني للخلافة دون آن يذكر ذلك بالصريح.. ولكنه يقول لي بأن الحِملَ ثقيل وطريقه طويل .وقبل هذا التاريخ بحوالي شهر ونصف، ونحن عائدان من الدار البيضاء.. حكى لي جزءً من حياته الذي لم يُسمِعهُ لنا من قبل؛ روى لي الأسباب التي دفعته للانخراط جُنديا في الحرب العالمية الثانية وما وقع له هناك. وهو الذي لم يكن أبدا يُحب الحديث عن نفسه، وإنما كنت أسمع شذرات من سيرته، متفرقة، من بعض رفاقه القدامى.
محمد بن عبد السلام أبُ جيل كامل من البسطاء والفلاحين والرجال، وصديق مُعلم حكيم، أميٌ لا يعرف القراءة أو الكتابة، لم يلج أبدا مسيدا أو مدرسة، يتيم الأم من جدتي الطاهرة القديسة أم القديسات الطاهرات الورعات، فاطنة بنت الطاهر الحَمْري، ابنة أحد أكبر ثوار قبائل احمر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ابنها البكر الوحيد الذي خلفته من سيدي عبد السلام، ثم تلد بعده فاطمة وتموت.
- هل تسمعني ... أنا فخور بك بويا، كنتُ دائما أحبُّ تقبيل يدكَ بامتنان كما أشعر الآن مع أبنائي.
كنتُ أتمنى أن أموت قبلكَ، تاركا لكَ زوجتي وأبنائي في عُهدتكَ.. تُربيهم كما ربَّيتني وتدربهم على الحياة كما علمتني وتستكمل معهم ما كُنّا ابتدأناه حينما تكلفتُ بمهمة تفاوضية مع الفلاحين؛ وكم كنتُ أشعرُ بالعزة حينما يقولون لي بأن بويا لم يشأ أن يتمم معهم عملا حتى أكون حاضرا.
هو من علمني كيف أحَوِّلُ الهزائم إلى انتصارات، وعلمني أن شروع الآخر في الإنصات والتفاوض هو لجام الانتصار.
ألست ورقة الزمن الصعب؟ ألم تكن فاطنة بنت الطاهر هي أملنا في الحياة كما كان عبد السلام وخليفة ومحمد وعبد الله وشعيب وعلي...
بويا الحنين؛ وحده الموت الذي لم أستطع التفاوض معه. أسبوع إلى جواركَ عجزتُ عن إقناعه بالعدول عن مُراوغتك وترككَ بجوارنا عقودا أخرى.
نمْ الآن ! فقد عشنا بُسطاء قانعين، وإذا كُنّا لم ندرك ما كان علينا إدراكه فلِأنّنا نعلم يقينا أنه سيطلعُ من صُلبنا من سيكون له شأن عظيم.
يوم رأيتُكَ في السماء
في منتصف النهار، صلّينا على جُثمانه الطاهر بمسجد الزاوية البوعزاوية القريب من بيتنا والمجاور للمقهى التي كنا نجلس بها. ثم توجهنا إلى مقبرة سيدي أرنون، جوار الملعب البلدي وسط عراصينا التي سرقتها الدولة منا جِهارا.
قبل الدفن بساعتين، كنتُ قد توجهتُ إلى المقبرة لرؤية المكان الذي سيأوي والدي، فأشار المُكلف إلى ثلاثة قبور مُتَجاورة، حفرها حديثا، كأنه يطلب مني أن أختار واحدا، فأشرتُ إليه بالقبر الأوسط.
وحينما واريناه التراب، كان الحزن يملأني والإحساس باليُتم قد استبدَّ بي، وهو أمرٌ ليسَ عليَّ إظهاره، لكنني رفعت رأسي إلى السماء وتمنيتُ كما لم أتمنّ من قبل في كل حياتي، لو يَقبلُ الله ربي العلي القادر على كل شيء، أمنيتي بلسان صدقٍ ويجعل القبر الذي على يمين قبر بويا من نصيبي، فأتمددُ إلى جواره خالدا مُخلّدا، وكما كُنا في الحياة، في موتنا أيضا، نتسامر ونُقرر في كل شيء في ذلك الخلاء الرّحب؛ نُقسم نهاراتنا الأخروية إلى قسمين، واحد بجوار الواحد القهّار، نعبدُه ونستغفر لأهالينا الأحياء، والقسم الآخر نطوف فيه على سلالتنا من الأموات، نعرف منهم التاريخ وما جرى. ووحدي أعرف أننا سنقضي أغلب أوقاتنا مع جدتي التي نحبها أكثر من نفوسنا، ولية الله الطاهرة فاطنة بنت الطاهر... الوحيدة التي ستروي لي ما أريد. وهناك أستأذنُ ربي الواحد الأوحد فأكتب عنها رواية، أُفرغُ فيها كل ما أحمله لها من حبٍّ حيٍّ في كل جوارحي.
لمْ يشأ ربي تحقيق رغبتي في النوم إلى جوار والدي في رَقْدته، لحِكمة منه لا أعلمها؛ وكلما زرتُ قبر بويا أقبِّل الشاهدة، كما أقبل يده ورأسه، فأشعر بنفس الإحساس الذي كنتُ أشعرُ به وهو بالحياة.
في اللحظة التي كان جسده الطاهر المُسَجَّى يهبطُ إلى مكان العبور، اختلستُ نظرة سريعة إلى السماء فقرأتُ مكتوبا عليها بغيم شاخص: «مكتوب على زُرقة السماء بأحرفٍ من ذهب: على وجه البسيطة لا يبقى من الناس إلا مآثرهم».
ثم عدتُ أدفنُ بصري في قبر العبور وسط تكبيرات الفقهاء والحضور؛ وقبل أن يستوي التراب عدتُ أختلسُ نظرة أخيرة من صفحة السماء، فرأيتُ كلمات الغيم تُعانق بعضها البعض، بقدرته القادرة، فتصيرُ صورة لبُويَا على فرسه الذي كان يربطه في السْمار، كلمات ستُمطر في ما سيأتي من شهور وأعوام وعقود وقرون علينا ماءً زُلالا.
نظراتي سادرة منكسرة، لا أفكرُ في شيء مُحدد، بل شُلَّ تفكيري وسط الذين يقرؤون سُوَرا من الذكر الحكيم، ولما توارى بُويا خلفَ التراب عاد تفكيري يعمل، وكان أول شيء فكرتُ فيه أني صرتُ وحيدا بدونه، ولن أجدَ اليد المباركة التي سأقبِّلها. لحظة أعنف من الفِطام حيث فقدتُ الحليب الذي يُغذي روحي وتاريخي. (بعد أيام، حينما عدتُ إلى أبنائي ناديتُ على مريم ابنتي، ولية الله، قبلتُها ثم أخذتُ يدها وقبلتها فسارَعَتْ إلى سحبها وارتمتْ تُقبل يدي مرارا وتكرارا وأنا بين السعيد والحزين في حالة لا مفسرة).
مَقعدكَ بيننا دائما
كثيرٌ من الفلاحين كانوا يُقبِّلون يده حُبا خالصا فيه وليس خوفا أو رهبة، وكنتُ أتمنى أن يفعلوا معي نفس الشيء.
في آخر مرة لحقتُ بوالدي إلى مكانه المعتاد بالسوق، وهو يفصل بين المتخاصمين - وكان ذلك قبل حوالي شهرين من وفاته – شربتُ الشاي إلى جواره وحضرتُ كيف تُزفُّ الأحكامُ إلى قلبه فيُلقيها بردا وسلاما لتُطفئَ نار الظالم والمظلوم؛ وقبل أن نُغادر، جاءنا شيخ طاعن فقبَّلَ يَدَ والدي ورأسه ثم التفتَ نحوي مخاطبا، بعدما اقتعدَ أمامنا وأزال شدّه من على رأسه:
شوف ْ آولْدْ بويا، الله ينصرك. لو لمْ نخشَ قولهم إننا كفرنا لجعلنا بويا نبيا وحوّلنا المكان الذي يجلس فيه قِبلة لصلاتنا.
ضحكنا ونهره والدي، ثم غادرنا وأنا أقول في خاطري ما قاله الشيخ الطاعن.
***
بعد ثلاثة أيام، وجدتُ القبرين الفارغين على يمين وشمال والدي قد شغلتهما سيدتان توفاهما الله؛ التي على يمينه أرملة في الثانية والأربعين من عمرها؛ أما التي على شماله فهي بِكرٌ في الرابعة والعشرين من عمرها خانها قلبها فجأة.. وتلك حكمة ربي.
عدتُ، قبَّلتُ الشاهدة وأبي ينظر إليَّ وهو يُخفي ابتسامته المعهودة (نفس الابتسامة التي رأيتها على وجهه وهو في الخامسة عشرة من عمره، في ذلك الفجر العجيب بجوار قبة بويا الغليمي وأنا أنادي عليه قبل أن أولد بسنوات طويلة)، وكأنه قرأ ما دار بتفكيري أو أدرك أن الله قد خصَّه بحُوريتَيْنِ تُؤنسان وحدته.
في نفس الأسبوع، وأنا مُمدد على الكنبة بمكتبة البيت، في شبه إغماض وسط صمت مُطْبق إلا من تراتيل مقريء رخيم الصوت، صادر عن كاسيت من الغرفة المجاورة، فجأة سمعتُ حديثا دار بين زوجتي وابني علاء الدين الذي كان يتهيأ للذهاب إلى مدرسته.
لماذا تترك جَوَارِبَكَ وتلبس جوارب أبيك؟ (قالت له مُعاتبة).
أريد أن أمشي بهما مثل بويا في نفس طريقه (ثم ضحكَ بِخفوتٍ حتى لا أسمعه، ولم أسمع ردّا من زوجتي على مِزاحه وإنما عادت إلى انشغالاتها في صمتٍ، فاسحة المجال لصوت المقرئ).
فهمتُ من سرعة رَدِّه ولباقته، كأنَّ القول لديه كان جاهزا قبل اثني عشر عاما، قبل ولادته، وربما منذ أن كنتُ في مثل سنه، ممددا على سجاد أخضر بربوة من رُبى أولاد سليمان المزامزة، فزُفَّ إليه من ملاك رحيم.
الساعة العاشرة صباحا
عدتُ كما كنا، أو هكذا خُيِّلَ إليَّ، أذهبُ مرتين في الأسبوع. أتفقدُ ما أتفقد. فحياتنا هناك غير حياتنا في الدار البيضاء. أجلس لساعتين مع أصدقائنا نحتسي الشاي قُرب المطحنة المُقابلة لمقهى بوشتى، والمستندة على الزاوية البوعزاوية. وفي الظهيرة تكون فرصة وجبة الأكل للجلوس قرب والدتي نتحدثُ قبل وبعد القيلولة، قبل الانصراف إلى تدابير أخرى.
أنا مثل كل الناس في كل هذا العالم، نفقدُ العرَّاب والكاطاليزور فنشعر بفداحة النقص. وأكتشفُ فورا أن محمد بن عبد السلام كان بالنسبة لغيري ملاذا ولي كذلك، مَنْجَمًا للإلهام الذي أستمدُّ منه جوهر قولي في الإبداع...
والآن، بعد ذهابه ليستريح، صار الإحساس عندي شبه يقين بانقطاع الزّفّانات عني، فالوسيط بيني وبين خزائن الخيالات الحرة لم يعدْ.
حاولتُ الكتابة من بعده، فكنتُ كمن في الهيجاء بدون سلاح، واكتشفتُ أيضا أني صرتُ عنيفا حاسما، رافضا للحلول الوسطى، باحثا عن الحلول المعقدة والصعبة، نابذا كل مقولات السلم والمهادنات؛ تغير أسلوب مفاوضاتي وقررتُ أن أجعل تفكيري نهرا يجري عميقا عميقا إلى اللاقرار؛ حيث:
لن أكتبَ، بعد اليوم، فلا أريد لخيالاتي ولغتي أن تكون مُشبعة بغير الرنين الخلاّق لرائحة التراب.؛
لن أسافر إلى أي مكان خارج أسوار الشاوية المقدسة.
.......................

    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء نوفمبر 21, 2017 4:37 am