منتدى يهتم بمستجدات العمل السياسي والنقابي محاولا رسم صورة مغايرة على ما عليه الوضع الان


قصة الجاسوس الإسرائيلي الذي قتل “فتحي الشقاقي” و حاول قتل “خالد مشعل”

شاطر
avatar
رياضي
Admin

عدد المساهمات : 3792
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

قصة الجاسوس الإسرائيلي الذي قتل “فتحي الشقاقي” و حاول قتل “خالد مشعل”

مُساهمة من طرف رياضي في الخميس ديسمبر 17, 2015 9:09 am


درّب الفلسطينيين في الشمال على لعبة الكاراتيه وخطب لبنانية تسكن مقابل منـزل مدير دائرة التنظيم الشعبـي في منظمة التحرير، سعيد السبع، وشارك في العديد من عمليات الاغتيال لقادة فلسطينيين في بيروت ومنهم أبو حسن سلامة وعملية فردان، وأقفل ملفه في المحكمة العسكرية بعد توقيفه وتم ترحيله من لبنان في ظروف غامضة.

الحلقة الأولى



في كتابه المميز “محطات في ذاكرة وطن” للقائد السابق في الشرطة القضائية العميد عصام ابو زكي، والذي كتب مقدمته الزعيم وليد جنبلاط، يورد الكاتب فقرة خاصة تحت عنوان “مواجهة مع جاسوس اسرائيلي خطير” ننشر هذه الفقرة ونضيف اليها ما تابعه العميد ابو زكي اجتهاداً منه ووعياً بأهمية دور هذا الجاسوس بإسمه الحقيقي “حجاي هداس” الذي تكرر ذكر اسمه في مهمات أداها خدمة للاستخبارات الاسرائيلية التي عاثت وما تزال ارعاباً وقتلاً وفتناً في بلاد العرب.

يكشف ابو زكي دور هذا الجاسوس الذي كان في لبنان عام 1973، حاملاً اسم “لوزبيرغ” الالماني، في منظمة “الكيدون” وتعني “الخنجر” او “حربة البندقية” التي هي أخطر فرق الاستخبارات الصهيونية على الاطلاق وشعارها الاهم “بالخداع وحده تصنع لنفسك حرباً”.

الاخطر فيما طرحه العميد ابو زكي، هي الاسئلة الشرعية التي يوردها في نهاية هذه الفقرة عن الجاسوس الصهيوني، وهي اسئلة يكتب انها شرعية، لأنها تتسق مع مجريات الاحداث التي عصفت بلبنان منذ ذلك التاريخ.. وفي مقدمها قتل اسرائيل للقادة الفلسطينيين الثلاثة في فردان، ثم استقالة رئيس الحكومة يومها الرئيس صائب سلام في أول خلاف جذري مع صديقه رئيس الجمهورية سليمان فرنجية.. وتمهيد الطريق واسعاً وسريعاً للحرب الاهلية التي عصفت بالوطن (1975 – 1989) وما تخللها من احتلال صهيوني ما انتهى حتى مع اخراج منظمة التحرير الفلسطينية وقواتها من لبنان عام 1982.



عودة الى “كيدون”

يكاد لا يخلو بلد عربـي من وجود نشاط لهذه الفرقة الصهيونية تحت مسميات مختلفة التي لا يزيد عدد افرادها من النساء والرجال عن 48 فرداً، والرقم هنا هو رمز تاريخي للصهاينة يشير الى قيام الكيان المغتصب لفلسطين عام 1948.

وهذه الفرقة التي لا يعلم عن افرادها احد في الموساد هي وحدة مصغرة عن وحدة أم تدعى قيسارية وهي الوحدة التي أدارت عملية الجاسوس الصهيوني في دمشق ايلي كوهين الذي كاد يصبح عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم تحت اسم كامل امين ثابت.

من شروط الانضمام لهذه الوحدة هي السحنة المشرقية اي لون البشرة وشكل الرأس والتحدث بأربع لغات على الاقل يفضل ان تكون بينها اللغة العربية باللهجات المصرية او السعودية او الخليجية بشكل عام ثم اللغة الانكليزية بلهجة اهل لندن او اللهجة الاميركية، اما التعليم فيفضل دراسات الشرق الاوسط والجغرافية والكيمياء والكهرباء والتاريخ والدين الاسلامي والتمكن من التعامل باحتراف كامل مع أنظمة الحاسب الآلي.

ومن أشد التعابير عن جدية هذه الفرقة انها يجب ان تلتقي مع رئيس وزراء اسرائيل قبل اي عملية نوعية تقوم بها في اي مكان في العالم، فيزورها هذا في مقرها وسط سرية كاملة.



من عملياتها

1- اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح في دبي بدولة الإمارات.

2- اغتيال ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في روما وائل زعيتر.

3- اغتيال ممثل فتح في قبرص حسين البشير.

4- اغتيال استاذ القانون في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور ياسر القبيسي.

5- اغتيال ممثل منظمة التحرير في باريس محمود الهمشري وقد قتلته “كيدون” على زعم انه مسؤول منظمة أيلول الأسود في فرنسا، وقد حمّل الصهاينة هذه المنظمة مسؤولية خطف الفريق الرياضي الصهيوني في دورة “ميونخ” للألعاب الأولمبية عام 1972.

اغتيال العالم الكندي جيرالد بول الذي قام بتطوير البرنامج العسكري العراقي المعروف بإسم الأسلحة المدمرة.

اغتيال الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي في فلسطين الدكتور فتحي الشقاقي في مالطا بعد عدة ساعات على خروجه من ليبيا.

أما أبرز محاولات هذه الفرقة الفاشلة فهي قتل نادل مغربي يعمل في ملهى في النروج بعد ان ظنت انها تقتل أبو حسن سلامة محملة إياه مسؤولية قيادة عملية “ميونخ” التي أشرنا إليها (ورغم هذا فقد نجحت هذه الفرقة في قتل سلامة بسيارة مفخخة في بيروت بعد 5 محاولات فاشلة).

فشل محاولة اغتيال نائب وزير الدفاع الايراني مجيد عبسفور لانقلاب الدراجة النارية التي كان يقودها اثنان من هذه الفرقة واصطدام دراجتهما بسيارة مسرعة ليقتلا على الفور.

أما أبرز عملياتها الفاشلة فهي كانت عام 1979 وهي محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في عمان بضرب رأسه بعصا تحمل في مقدمتها سماً امتزج مع دمه وأدخله في غيبوبة كادت تودي بحياته.



عودة إلى الأصل

هنا نعود إلى ذكر موضوع حديثنا وهو الجاسوس الذي اعتقله النقيب أبو زكي يومها “حجاي هداس ” لنكشف انه تولى مهمات عديدة خطيرة منها قيادة فرقة “الكيدون” نفسها بما يعني ان كل محاولات الاغتيال التي تمت والتي فشلت شارك فيها “لوزنبيرغ” أو “هداس”، وواحدة من أبرز أدواره هي رئاسته طاقم المفاوضات حول الجندي الصهيوني الأسير “جلعاد شليط” واغتياله فتحي الشقاقي أيضاً ومشاركته بطبيعة الحال في بقية عمليات الاغتيال.

في بداية شهر أيلول/سبتمبر من عام 1972 كنت في مدينة طرابلس على رأس عملي حين لفتني خبر ورد في الاخبار عن قيام مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين تنتمي إلى منظمة أيلول الاسود باحتجاز أعضاء الفريق الرياضي الاسرائيلي والبالغ عددهم أحد عشر رياضياً ومطالبة أيلول الأسود بالإفراج عن 260 فلسطينياً معتقلين في السجون الاسرائيلية، لم تكن الحكومة الإسرائيلية لتوافق على مطالب الخاطفين خاصة وان على رأس حكومتها غولدا مائير المعروفة بتطرفها فكان القرار الإسرائيلي بإرسال وحدة كومندوس لتخليص الرهائن بمثابة عملية نحر للخاطفين والمخطوفين وعلى الفور اجتمع مجلس الأمن الإسرائيلي المصغر، ليصدر قراراً بتعقب قادة أيلول الأسود في لبنان ودول العالم فيما عرف بقائمة غولدا مائير كان لهذه القائمة تداعيات كبيرة على لبنان نظراً لوجود قادة المقاومة على أراضيه حيث سنشهد أحداثاً كبيرة وعمليات اغتيالات تدور أغلبها على أرض لبنان من ضمنها عملية فردان والانزال الاسرائيلي على مخيمات الشمال وعملية طرابلس السرية التي لم تتحدث إسرائيل عنها حتى يومنا هذا.

في 10 تموز/يوليو عام 1973 كنت في إجازة شرعية في بيروت. رن هاتف منـزلي، كان الرئيس سليمان فرنجية على الخط حيث استوضحني عن عملية خطف سائح ألماني جرت في طرابلس. طلب مني فخامته إفادته بجميع الملابسات التي جرت وعن الجهة الخاطفة وكامل هوية المخطوف وأين يسكن.

بعد انتهاء المكالمة انتقلت بسرعة إلى طرابلس. بدأت بجمع المعلومات الأولية حول عملية الخطف، والتي جرت على الشكل التالي:

بوصولي إلى مكتبـي في السرايا كان الخبر قد انتشر في المدينة. استقبلت عدداً كبيراً من المواطنين والمخبرين وكانوا يملكون معلومات متضاربة.

ذهبت إلى “مقهى التوب” في شارع عزمي حيث خطف الألماني. استجليت بعض المعلومات من الرواد الذين كانوا في المقهى أثناء عملية الخطف. قال لي بعضهم ان عملية الخطف تمت عندما كان السائح الألماني داخل المقهى في الساعة الثانية إلا عشر دقائق من منتصف الليل، ونقل في سيارة مرسيدس زجاجها مموه من الخلف. نزل منها شاب يرتدي جلابية زيتية اللون ويعتمركوفية بيضاء، ثم اتجه نحو السائح الألماني شاهراً مسدسه ودافعاً به إلى داخل السيارة. وبينما كان الألماني يوضع في السيارة أطلق الخاطف ثلاث طلقات نارية في الهواء من مسدسه إرهاباً.


علمت الفرقة 18 بالعملية من أحد رواد المقهى. أقيمت الحواجز والدوريات الأمنية بحثاً عن المخطوف.

تابعت التحقيق وتوسعت فيه وقلت انه يجب عليّ أن اقوم بمداهمة وتفتيش كل الاماكن التي يتواجد فيها الأجانب الموجودون في المدينة. داهمنا العديد من المراكز والمقاهي وداهمت على رأس دورية عسكرية “فندق المنتـزه” في شارع عزمي حيث نزل معظم الاجانب. وجدت ان المخطوف سجل اسمه في الفندق في اليوم ذاته ووضع أمتعة بسيطة في غرفته (عدة حلاقة وغير ذلك) لكنه لم يعد إليه.

وعلمت من بعض الناس ان الألماني الذي يدعى اورلخ لوسبرخ، خطب جميلة معتوق التي تعرف بـ”جيجي” معتوق، استدعيت الاخيرة إلى التحقيق وسألتها عن عملية الخطف. قالت انها علمت بالخبر مني فقط.

وكان عبد العزيز محمد الهدى الملقب (الغزاوي) آخر من شاهد الألماني، وهو يغادر بيت جميلة. وقد تمكن أحمد رسلاني العامل في بلدية طرابلس من العثور على سكرتير الألماني عبد العزيز الغزاوي بعدما شاهده في صالة سينما المتروبول. فألقى القبض عليه وسلمه للتحقيق وسألته عن لوسبرخ. أنكر الغزاوي في بادىء الأمر أي علم له بعملية الخطف، لكني أدركت من إجاباته وقسمات وجهه انه يعلم بالحادث، لكنه يكذب. ركزت مساء ذلك اليوم على استجواب الأخير، بعدما علمت انه يعمل سكرتيراً عند الألماني.

أخضعته لاستجواب موسع وبعد فترة قليلة على التحقيق انهار الغزاوي واعترف ان عملية الخطف تمت بمعرفته وان الألماني انتقل إلى حقل العزيمة في سير الضنية وهو مسلح.

روى غزاوي تفاصيل علاقته به، قال انه تعرف عليه في المقهى وانه من الاثرياء ومن كبار أبطال الكاراتيه الدوليين وانه اشترك في القتال في بنغلادش وطلب منه أن يعمل سكرتيراً عنده بمرتب شهري مقداره 500 ليرة لبنانية. وذكر ان لوسبرخ كان ينفق المال بسخاء، وقد بدأ يرتاب من تصرفاته.

وقال غزاوي ان الألماني تعرف على جميلة معتوق المعروفة بـ”جيجي” بعدما عرف ان منـزلها يواجه شقة مدير عام دائرة التنظيم الشعبـي في منظمة التحرير الفلسطينية سعيد السبع “ابو باسل” وقد خطبها لكي يتمكن من السكن عندها، وانه كان يكثر من الاسئلة ويستوضحه القضايا المتعلقة بالفدائيين، وكان يسأله عن أقرب جزيرة إلى طرابلس وأسماء بقية الجزر القريبة منها.

واعترف الغزاوي بأن لوسبرخ وضع خطة لخطف القنصل الألماني في طرابلس جول مسعد، وانهما قصدا منـزل الأخير الواقع في شارع الجميزات واستخدم شخصين آخرين وجهزوا السيارة لهذا الغرض لخطفه لكنهم فشلوا لأن زوج القنصل لم تستجب لهم بفتح الباب عندما قصدهم أورلخ وعصابته كان الهدف الأساسي من خطف القنصل أو قتله إيهام الدولة اللبنانية ان الفدائيين من قاموا بهذا العمل وذلك رداً على موقف الحكومة الألمانية السلبـي من الخاطفين الفلسطينيين في ميونخ.

كما روى انه اصطحب اورلخ وخطيبته إلى القصر الجمهوري في بعبدا مرتين وحاما حول القصر ومقر الرئيس الصيفي في إهدن إضافة إلى تردده إلى محيط قصر المختارة ومحاولة التقاط الصور لمقر إقامة كمال جنبلاط برفقة خطيبته جميلة معتوق.

وفي شأن حادثة الخطف في شارع عزمي قال الغزاوي ان لوسبرخ وضع الخطة من دون أن يفهم هو ورفاقه الأسباب. وانه وعدهم بمبلغ 50 ألف ليرة بعد تنفيذ العملية وأوهمهم انه ينتظر مبلغ 50 ألف ليرة من السفارة الألمانية، وان علي أحمد ديب وهو صاحب مطعم “كويك ساندويش” في طرابلس استأجر لهم سيارة خصوصية ماركة مارسيدس 190 رقمها 157138 من مالكها زهير زكي هندي زكريا وانه نفذ عملية خطف لوسبرخ برفقة توفيق حسن الحسن وحميد بطرس فرح. وقال انهم لبسوا القمبازات وتقنعوا وأخذوا لوسبرخ من المقهى وانطلقوا به إلى المنـزل الذي استأجره في حقل العزيمة تعود ملكيته للسيد ميخائيل ابراهيم لإخفاء لوسبرخ فيه.

وتابع الغزاوي ان السيارة تعطلت بهم عند مفرق بخعون، فتركوها هناك وقصدوا المنـزل سيراً على الاقدام بين البساتين متجنبين الطريق العام. وكان لوسبرخ ممسكاً بحقيبته السوداء، وأفاد الغزاوي انه لا يعرف مكان الحقيبة أو ماذا يوجد بداخلها.

وعندما وصلا إلى المنـزل طلب منه لوسبرخ أن يعود إلى طرابلس ويتصل بخطيبته “جيجي” ويقول لها ان الرسالة وصلت من الكويت وان “جيجي” تعرف ماذا يقصد. وأضاف “قل لها هذا وهي ترافقك إلى بنك جمال في بيروت وتسحب مبلغ 50 ألف ليرة من خزنتي الخاصة لأنها تحمل المفتاح فتعطي 10 آلاف لحميد فرح و10 آلاف لحسن توفيق الحسن والبقية تأخذها لك”.

انتقلت إلى مكان الخاطف المخطوف. في الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم التالي برفقة عنصرين من الدرك من الفرقة 18 وأبى قاضي التحقيق الأول في الشمال مراد عازوري إلا أن يقدم لنا سيارته الخاصة ومرافقتنا إلى المكان. ما ان دخلنا إلى المنـزل المستأجر في حقل العزيمة، حتى تفاجأنا بوجود اثنين من حراس العميد المتقاعد الياس داوود. وقف الجاسوس وقفة “كاراتيه” فانتضيت مسدسي وقبضت عليه بعدما نزعت من يده المسدس.

فتشنا المنـزل وهو عبارة عن غرفة صغيرة فعثرنا فيها على مسدس 6 ملم ومسدس ضغط كبير من ممشطين ومسدس آخر من مسدسات الاولاد وآلة تصوير “زوم” وثياب وجلابيات كاكية وكوفيات بيضاء والحبال التي كان قد أوثق بها، ومنشورات حملت اسم منظمة “ميونخ 72”.

وضعت في يديه الاصفاد وكبلته في الحبال ووضعته في صندوق السيارة وانتقلت به إلى مكتبـي في سرايا طرابلس أوقفت عناصر أمنية على الباب لعدم دخول أي كان. لم تستغرق عملية القبض على الألماني المخطوف سوى 11 ساعة فقط.

اتصلت بفخامة رئيس الجمهورية سليمان فرنجية الذي هنأني على نجاح العملية وطلب مني إفادته بالمعلومات أولاً بأول.

شرعت في التحقيق معه رفض الكلام من خلال نظرتي إليه وتأملي الكثير به تبين لي انه لا يريد الكلام. طلبت له مترجمين باللغتين الالمانية والانكليزية فرفض الكلام وظل على هذه الحال ثلاثة أيام متتالية.

عدت إلى استجواب جميلة معتوق التي أقرت بمعرفتها بعملية خطف خطيبها وان لوسبرخ أعطاها رسالة باللغتين الألمانية والانكليزية وطلب منها حملها في اليوم الثالث لخطفه إلى أحد المسؤولين في السفارة الألمانية في بيروت. وافادت جميلة ان مضمون الرسالة يفيد ان منظمة فدائية فلسطينية خطفت لوسبرخ وهو في حالة جيدة وان المنظمة تطلب من الحكومة الألمانية فدية قدرها 15 مليون ليرة لإطلاقه وفي حال الرفض ستعمد المنظمة إلى قتله. وقد أتلفت جميلة الرسالة بعد خطف لوسبرخ.







وفي اليوم الثالث كنت أحاول أن أدفع لوسبرخ للكلام لكنه كان يرفض، فجأة دخل علينا مدعي عام الشمال القاضي هاني المولى وبرفقته العقيد جورج أسمر قائد سرية الشمال وكان الأخير منفعلاً ومستغرباً عدم توصلنا معه للكلام، كان الألماني يجلس على الكرسي ومكبلاً بالأصفاد، أمسكه أسمر برأسه وقال له بلغة انكليزية ركيكة: أنا ضابط وأنت ضابط ان لم تعترف الآن سوف أحطم رأسك.

في نهاية اليوم الثالث بدأت استعمل معه بعض الأساليب، وقد روضته ودفعته إلى الكلام. بدأ يتكلم اللغة العربية بعدما رفض الكلام مع المترجمين في السابق.

تبين لي انه يتمتع بذكاء حاد، شخصيته فذة، صلب المراس، قوي البنية، ثاقب النظرات.

بدأت التحقيق معه بسؤاله عن هويته، تقاطعت اعترافاته مع المعلومات التي تحريتها عنه حول مجيئه إلى لبنان تحت ستار التدريب على الكاراتيه. فمرة ادعى انه طبيب نفساني ومرة أخرى عرف عن نفسه انه أمير بلغاري. وانه “ملك الدم”.

أصر على إنكار كل شيء ونفي معرفته الاشخاص الذين “خطفوه” وأفاد انه جاء إلى لبنان في منتصف شباط/فبراير من عام 1973 على متن الباخرة اوزونيا آتياً من ايطاليا برفقة رجل ألماني يدعى جو متزيغ وان الأخير يحمل جوازي سفر احدهما ألماني والآخر بولوني. وأكد انه استأجر المنـزل في حقل العزيمة للراحة ونفى أن يكون أحد قد خطفه.

خلال التحقيق قال لي ان كنت تريد ان تعرف من أنا ما عليك الا حرق الحقيبة التي أحملها وان اسمه وعمله وشخصيته مدونة داخل حقيبة اليد التي كان يحملها. والتي اكتشفتها عندما قبضت عليه. وبالفعل قمت بحرق الحقيبة لتخرج من بينها بطاقة حديدية تفيد انه يعمل لصالح وزارة الصناعة الالمانية وهو جاسوس صناعي.

وتناول التحقيق معه قضية منظمة (ميونيخ 72) الفدائية التي بادر الى تأسيسها وتبين لي انه تواصل مع بعض العناصر الفدائية في الشمال وانه زودهم ببيانات وبرنامج سياسي توجيهي كان أورلخ قد أعطاه لأحد عناصر رصد الفدائيين لتعميمه على رفاقه وفيه دعوة للقضاء على القيادات الفدائية الناشطة وخاصة من تتبنى عمليات كـ ميونيخ داعياً الى تنقية العمل الفدائي من كل شائبة مدعياً انه مناصر للقضية الفلسطينية.

وبدأت حلقة المعلومات تتسع حوله شيئاً فشيئاً وقد تمكن من الدخول الى مخيم البداوي وعرض تدريب العناصر الفدائية في لعبة الكاراتيه وقد انتقى بعض العناصر لتدريبهم على بعض الاعمال العسكرية كالتفجير والخطف والقنص الخ. بعد إلقاء القبض عليه، جاءني ضابط في الكفاح المسلح اسمه ابراهيم البطراوي طالباً الافراج عنه مدعياً ان لوسبرخ كان يدرب الفدائيين مجاناً، ومن دون مقابل.
وقد حاول اورلخ الاتصال بالسياسيين الذين لهم علاقة بالفدائيين. وقد اعترف امامي ان مهمته هي التجسس على الفدائيين الفلسطينيين، وافتعال الحوادث والاضطرابات بينهم وبين السلطة اللبنانية، وان عملية الخطف من مقهى “التوب” ليست سوى حلقة من حلقات الخطة التي كان سينفذها. وقد أدلى بمعلومات واضحة وشرح كيفية قيامه بعمليات ارهابية وحدد الاماكن التي كان ينوي تفجيرها دون ان يعرف مكانها او الشارع الذي تقع فيه. وقد اعترف انه كان يسكن من شباط/ فبراير تاريخ دخوله الاراضي اللبنانية وحتى اواخر آذار/ مارس في شارع فردان.

وعندما سألته ما كنت تفعل انت وخطيبتك في شارع فردان في بيروت في الحادي عشر من نيسان/ ابريل 1973، انتفض وقال لي: لا اسمح لك بتوجيه هذا السؤال لي.

ولاذ بالصمت ورفض الاجابة على الاسئلة حول دوره في عملية فردان وطلب الكلام في حضور السفير الالماني.

فيما بعد اعترف انه كان ضمن المجموعة التي نفذت اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة بتاريخ 10 نيسان/ ابريل 1973 في شارع فردان. وقد أجريت مقابلة بينه وبين خطيبته جميلة جورج معتوق المعروفة بـ جيجي لجهة مواجهة الاخيرة بأقوال لوسبرخ، لأنه كان يطلعها على كافة تحركاته ومنها مراقبة بعض قادة المقاومة الفلسطينية الذين يقيمون امام منـزل ذويها في طرابلس وتحديداً سعيد السبع والذي كان له دور مباشر هو وابن خاله ابو علي اياد بعملية خطف اول جندي اسرائيلي في اواخر عام 1969 وهو صموئيل روزن فايز.

وأفادت جميلة انها كانت بمعيته في بيروت يوم 11 نيسان/ ابريل 1973 اي اليوم التالي للإعتداء وانهما مرا في الشارع وشاهدا الابنية التي قتل فيها قادة المقاومة. كما انها كانت برفقته عندما زار مخيمي نهر البارد والبداوي بعد عملية نفذها الجيش الاسرائيلي 21/2/1973 والتي استهدفت ضرب مواقع لحركة فتح ذهب ضحيتها عدد من الاتراك التابعين لجماعة عبدالله اوج آلان، بالاضافة الى عدد من الفلسطينيين وموقع تدريب للجبهة الشعبية في مخيم نهر البارد كان عضو الجيش الاحمر الياباني كوزو اوكومتو قد تدرب فيه قبل تنفيذ عملته في مطار اللد.

بعد الانتهاء من استجوابه تمت احالته على المحقق العسكري الياس عساف الذي باشر التحقيق معه بعدما زودناه بكل الاعترافات التي أدلى بها امامنا، وقد اكد اعترافاته وتكلم باللغة العربية التي رفض ان يتكلم بأي لغة قبل ذلك.

وتبين لي انه كان يملك مبلغاً كبيراً من المال مودعاً في بعض المصارف وكشفت التحقيقات معه عن تحويلات بعشرات الالوف من الدولارات جرت من المانيا الغربية لحساب لوسبرخ الذي ادخر في احد المصارف 130 الف ليرة لبنانية الى جانب تلقيه أموالاً من مصادر فلسطينية.

وذكر قاضي التحقيق ان الالماني لوسبرخ “ليس اسمه الحقيقي” يحمل جواز سفر ألمانياً مزوراً عليه سبعة أختام دخول الى لبنان والمانيا وهو من مواليد 1948 من مدينة دوسلدورف الالمانية وهو ضابط استخبارات اسرائيلي.





شاع خبر توقيف الجاسوس الاسرائيلي وما أدلى به من اعترافات. وبدأت السفارتان الالمانية والاميركية في بيروت ومعها مدير الشعبة الثانية جول بستاني بممارسة الضغوط للإفراج عن الالماني تحت ذريعة انه جاسوس صناعي، كما طلبت القيادات الفلسطينية ان نسلمها الجاسوس المذكور وقد رفضنا ذلك قطعاً.

بالطبع لم يعمل لوسبرخ لوحده في الشمال، اذ تكشفت الخيوط مع مرور الايام ان شبكة اسرائيلية كانت وصلت الى طرابلس بعد عملية فردان والتي راح ضحيتها ثلاثة من قادة المقاومة الفلسطينية (ابو يوسف النجار، كمال عدوان وكمال ناصر) مباشرة لاستكمال استهداف قادة الفدائيين في الشمال. وقد أقامت الشبكة في شارع الثقافة وتحديداً حول منـزل سعيد السبع ابو باسل. كان على رأس الفرقة تسيفي زامير مدير جهاز الموساد، اضافة الى مايك هراري رئيس وحدة كيدون الاسرائيلية، منتحلاً صفة القس روبرت مالاوي، والذين تبين انه مطرود من السودان لأسباب سياسية.

لكن اكثر ما أثار الريبة كانت تحركات لوسبرخ والذي سكن في شقة خطيبته اللبنانية جميلة معتوق المواجهة لشقة ابو باسل. وقد استطعنا مؤخراً اكتشاف هوية لوسبرخ الحقيقية والتي تبينت انه حجاي هداس، نائب رئيس جهاز الموساد لغاية 2010. فبعد مرور 42 عاماً وخلال بحثي العميق بهذا الملف لخطورته ومقارنتي لأرشيف صور لوسبرخ بصور ضباط اسرائيليين تبين لي ان الاخير هو حجاي هداس والذي كان وراء عدد من عمليات اغتيال لعدد من قادة المقاومة الفلسطينية من ضمنهم فتحي الشقاقي في مالطا ومحاولة الاغتيال الفاشلة لخالد مشعل في عمان.





في العودة الى الشكوك التي دارت حول لوسبرخ فبعد سكن الاخير في منـزل خطيبته المواجهة لشقة ابو باسل لاحظ انه كثيراً ما يسهر على شرفة منـزلها محاولاً التقاط الصور، عندها كلف ابو باسل عدداً من الفدائيين بمراقبته. فتبين انه يتردد على محل رينوار للتصوير في شارع عزمي ولدى مراجعة صاحب المحل تبين انه يملك مغلف صور يحتوي على كل اقسام منـزل سعيد السبع. وقد ذكر ابو باسل هذه التفاصيل في مقابلة اجرتها معه مجلة “الحوادث” في 20/7/1973. وعند الاستفسار من صاحب محل التصوير تبين ان ملكية الصور تعود للسائح الاسكوتلندي جيمس بول يعتقد انه تسيفي زامير، مدير الموساد لغاية عام 1974، والذي كان معروفاً عنه مشاركته شخصياً في العمليات الخارجية التي ينفذها الموساد، مثل عملية اغتيال النادل المغربـي احمد بوشيكي في النرويج. ادى هذا الكشف الى وضع جيمس بول وأورلخ لوسبرخ تحت المراقبة فتبين انهم يلتقون باستمرار في اماكن مختلفة خارج مكان سكنهم بينما كانوا لا يتحدثون مطلقاً مع بعض عند لقائهم في شارع الثقافة، حيث سكنهم. ادت هذه المعطيات مجتمعة الى إفشال عملية اغتيال سعيد السبع ابو باسل وهروب المجموعة الاخرى التي كانت تسكن فوق منـزله المكونة من ثلاثة بريطانيين رجلين وامرأة يعتقد انها سلفيا روفئيلي، التي اعتقلت ايضاً في النرويج على خلفية اغتيال بوشيكي، اضافة الى القس الاميركي روبرت مالوي (مايك هراري) والذي كان يسكن فوق الشقة التي يقيم فيها اورلخ لوسبرخ المواجهة لشقة السبع والمهندس الاسكوتلندي جيمس بول (تسيفي زامير) الذي تبعد شقته خمسين متراً عن شقة اورلخ لوسبرخ والتي أخذت أغلب الصور منها. بعد هذا الاخفاق غادر فريق الاغتيالات لبنان الى اسرائيل ومنها الى النرويج ليتم تصفية احمد البوشيكي بتاريخ 21/7/1973 النادل المغربـي بعد الاشتباه به انه ابو حسن سلامة.

كان لهذه العملية وقع حسن حيث لا حديث في طرابلس والشمال الا عن الجاسوس الالماني وعملية توقيفه كما تم تناولها في الصحف ووسائل الاعلام وتلقيت تهاني كثيرة حول نجاحها من القيادات السياسية والوطنية.

بقي اورلخ لوسبرخ في المعتقل اللبناني لمدة شهر وتم تحويل ملفه مع عشرين شخصاً من معارفه الى المحكمة العسكرية التي كانت برئاسة القاضي اسعد جرمانوس الى ان تم ترحيله من لبنان وتسكير ملفه بظروف غامضة.

هناك عدد من الاسئلة ما زالت تراودني بعد مرور 42 سنة على هذه الحادثة.

اين اصبح ملف اورلخ لوسبرخ في المحكمة العسكرية؟

ما دور هذه الشبكة الاسرائيلية في الحرب الاهلية التي عصفت بلبنان؟

ما علاقة حركة احمد القدور الذي أسس بعد عام من حادثة اورلخ (المقاومة الشعبية في طرابلس) بهذه الشبكة الاسرائيلية علماً بأن الاذاعة الاسرائيلية كانت تبث عدداً من الرسائل لجماعة القدور للتجمع في منطقة نهر ابو علي اضافة الى محاولة القدور نفسه اغتيال احمد رسلاني والذي كان له الفضل في القبض على الغزاوي؟

ما سر حادث السير الذي تعرض له علي ديب على طريق طرابلس – بيروت وأدى الى وفاته بظروف غامضة؟

ما علاقة اغتيال محافظ الشمال الصديق الشهيد فايز العماد في بداية الحرب الاهلية عام 1975 علماً بأنه كان على علاقة قوية بسعيد السبع؟

ما هو الرابط بين هذه الشبكة الاسرائيلية وعملية اغتيال الشهيد طوني فرنجية والشهيد كمال جنبلاط؟

ما هو الرابط بين هذه الشبكة الاسرائيلية وتنظيم فلسطيني تشكل في اواخر آذار/ مارس من عام 1973 في مدينة طرابلس يحمل اسم الالوية الثورية العربية على يد احمد عبدالغفور ومصطفى عبدالقادر (ابو مصطفى قدورة) والذي نفذ عملية في مطار (فيومشينو) الايطالي في روما (مطار ليوناردو دافنشي) الامر الذي أدى الى مقتل 30 شخصاً من جنسيات مختلفة منهم اربعة وزراء مغاربة ولم يقتل اسرائيلي واحد في هذه العملية فيما بعد التحق افراد المجموعة المنفذة بتنظيم صبري البنا ابو نضال.

من هي الاطراف الفلسطينية التي كانت تمول اورلخ لوسبرخ ومن هو ابو هيثم وابو ضرغام من مخيمات الشمال والذين ذكرهم الجاسوس الاسرائيلي في المحكمة العسكرية وانه كان على تواصل معهم؟ حسبما ذكرت صحيفة “الاوريون لو جور” تاريخ 14/7/1973.

ما هو الرابط بين افراد المجموعة المنفذة لعملية روما ووليد قدوره القيادي في الجبهة الشعبية والذي تبين فيما بعد انه جند من قبل اتيان صقر (ابو ارز) عندما كان الاخير ضابطاً في الامن العام ليجند فيما بعد من قبل الاسرائيليين وليؤدي دوراً تحريضياً مع مجموعة داخل الجبهة الشعبية على وديع حداد ادى لطرده من الجبهة الشعبية وتبين ان له دوراً في ابلاغ الموساد عن نية جورج حبش السفر الى العراق بعد ان تلقى دعوة من الرئيس صدام حسين فقام الاسرائيليون في 10/8/1973 بخطف طائرة الـ”ميدل ايست” كما روت السيدة هيلدا حبش زوج جورج حبش.

اسئلة كثيرة بحاجة الى اجابات وإلى اعادة دراسة هذه المرحلة الحساسة والدقيقة من تاريخ لبنان مع العلم ان عملية اغتيال القادة الثلاثة في فردان كان اول خطوة باتجاه الحرب الاهلية اللبنانية وأدت في وقتها الى استقالة صائب سلام وأحداث ايار/ مايو وهو اول صدام لبناني – فلسطيني.

وخلال رئاستي قيادة منطقة طرابلس تم إبعادي عن الملف من خلال ترشيحي لدورة في الولايات المتحدة.


    الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 16, 2017 7:33 am